ماجدالينا أباكانوفيتش: نسيج الجسد الصامت
Arab
1 week ago
share
ارتبط اسم الفنانة البولندية ماجدالينا أباكانوفيتش في ذاكرة الفن التشكيلي العالمي بأسلوبها في استغلال الخامات المهمَلة، لتقديم مقترحات جمالية مختلفة، ويظهر الأمر جلياً في مفهوم "الأبكان" الذي اشتُق من محاولتها الاشتغال على الألياف الطبيعية والحبال والأقمشة المستعملة، في ستينيات القرن العشرين، في ظل شحّ المواد في بولندا إبان الحكم الشيوعي، وفي اتجاه مغاير للواقعية الاشتراكية التي كانت سائدة آنذاك. عُرضت ثمانون مجموعة فنية: أربعون تجهيزاً نحتياً، اثنا عشر عملاً نسيجياً، إلى جانب الرسومات والصور الأرشيفية، في معرضها الاستعادي الذي يتواصل في متحف بورديل الباريسي تحت عنوان "نسيج الوجود" حتى الثاني عشر من إبريل/ نيسان المقبل، في سعي لرسم مسار كاملٍ لتجربة أباكانوفيتش يمتد من أعمالها النسيجية الأولى إلى سلاسلها المتأخرة. هذا الامتداد يسمح بقراءة متماسكة لتحولاتها التقنية والفكرية، ويكشف ثبات أسئلة مركزية رافقتها طوال مسيرتها، مثل البحث في الجسد بوصفه موقعاً للهوية، وللخضوع، وللمقاومة الصامتة. وهذا المسار يجعل أيضاً من النسيج كتلة، ومن الحشد موضوعاً، ومن الجسد وثيقة صامتة عن السلطة والخوف والرغبة في الحرية. في تجربة "الأبكان"، هناك منسوجات ضخمة معلّقة في الفضاء، ذات طابع عضوي كثيف. تحرر النسيج خلالها من إطاره الزخرفي، وأمسى كتلة قائمة بذاتها. فصار العمل يملأ الفراغ، ويواجه المتلقي حضورياً، ويخلق علاقة جسدية مباشرة مع الفضاء. وفي فضاء المعرض الذي افتُتح نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والمرتبط بالنحت (يحمل اسم النحات الفرنسي أنطوان بورديل) يبدو إدخال الألياف والمواد اللينة إلى قلب النحت توسيعاً لتعريفه، وتأكيداً أن الكتلة يمكن أن تتنفس وتتمايل وتحتفظ بآثار اليد. في السبعينيات، اتجهت الفنانة إلى الشكل الإنساني عبر تكرار وحدات بشرية متشابهة، كما في "الظهور" و"الأشكال الراقصة" و"الحشد الخامس"، حيث نرى أجساداً بلا رؤوس أو بملامح مطموسة، مصطفة في فضاء واحد، تصنع توتراً بين الفرد والجماعة.  يمكن ملاحظة الرؤية الاستشرافية التي كرستها الفنانة، ولا سيما في متابعة تأثير السياسة الشعبوية بالفرد في المجتمعات الحديثة في هذه الأعمال: فالتكرار هنا يحمل بعداً سياسياً واضحاً؛ الإنسان يظهر بوصفه جزءاً من كتلة أكبر، تتراجع فيها الخصوصية لمصلحة نمط جماعي. ولعل تجربة ماجدالينا تحت النظام الشيوعي، وما رافقها من رقابة وضغط أيديولوجي، منحت هذه الأعمال كثافتها التاريخية، ووسعت في الوقت نفسه قابليتها للقراءة خارج سياقها المحلي. تعبّر الحشود عن هشاشة الفرد حين يذوب داخل بنية سلطوية، وعن القلق الذي يسكن المجتمعات الحديثة عموماً. وفي مجموعة "علم الأجنة"، التي عرضتها في بينالي فينيسيا عام 1980، تتوزع على الأرض أشكالٌ لينة تشبه الشرانق أو الكائنات البدائية. ويستعيد العمل لحظة التكوّن الأولى، ويضع المتلقي أمام هشاشة تكونه البيولوجي.  البحث في الجسد بوصفه موقعاً للهوية وللخضوع وللمقاومة الصامتة بموازاة ذلك، تقدم سلسلة "ألعاب الحرب" جذوع أشجار ضخمة محاطة بحلقات فولاذية، في استعارة مباشرة للقوة التدميرية للحرب. حين تظهر الطبيعة نفسها كجسد مثقل بالقيود، يحمل آثار العنف والزمن. بين هذين القطبين، من التكوين العضوي الأول إلى أثر الحرب، يتشكل قوس كامل يختصر رؤية الفنانة للقرن العشرين. تقدم استعادةُ أباكانوفيتش اليوم في باريس فرصة لإعادة النظر في موقعها داخل تاريخ الفن الأوروبي، فقد اشتغلت على "سياسة الجسد" قبل أن يتحول المصطلح إلى عنوان نظري متداول، وطرحت سؤال الهوية من خلال الخامات ذاتها؛ حيث تحول القنب والكتان والخشب والحديد بين يديها إلى وسائط تفكير، تحمل ذاكرة الحرب، وتجربة القمع، وتوتر العلاقة بين الفرد والجماعة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows