Arab
رغم الانتشار الواسع لما نشرته وسائل إعلام وصفحات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية، حول صدور روايات كُتبت بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونُشرت من دون تنقيح كافٍ من مؤلفيها، في معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي اختتم في الثالث من الشهر الجاري، لم تقترن "الفضيحة الثقافية" كما وُصفت حتى الآن بأي معلومات موثقة، ولم يُشر إلى اسم مؤلف بعينه، ولا إلى دار نشر أعلنت مسؤوليتها أو أقرّت بوقوع مثل هذا الخطأ، ولم يخرج أي طرف معني ليؤكد أو ينفي الواقعة بشكل رسمي.
في تعليقه على الجدل المثار، اعتبر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، أن إنتاج روايات بمساعدة الذكاء الاصطناعي أمر وارد في سياق التحولات الرقمية التي تشهدها صناعة النشر، مشيراً إلى أن تجارب مماثلة ظهرت سابقاً في أوروبا من دون أن تثير إشكاليات قانونية تُذكر. وفي هذا السياق، شدّد رشاد على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في استخدام الأداة التقنية بحد ذاته، بل في حالات الاقتباس أو النقل غير المشروع من أعمال أدبية سابقة، وهو ما يندرج بوضوح تحت انتهاك حقوق الملكية الفكرية ويستوجب المساءلة القانونية.
إطار مهني وقانوني
يضع هذا الموقف النقاش في إطاره المهني والقانوني، بعيداً عن الاختزال التقني، إذ يميّز بوضوح بين الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة دعم في عملية الكتابة، وبين المسؤولية الإبداعية والقانونية التي تظل منوطة بالمؤلف البشري. فالمسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق بمن كتب الجملة أو اقترح الفكرة، بل بمن يتحمل تبعات نشرها وتقديمها إلى القارئ بوصفها عملاً أصيلاً. وهو تمييز يعيد النقاش إلى أخلاقيات الممارسة في صناعة النشر، حيث لا تُلغي الأدوات الجديدة واجب المساءلة، بل تجعله أكثر إلحاحاً.
لا تُلغي الأدوات الجديدة واجب المساءلة، بل تجعله أكثر إلحاحاً
ولم يعد الحديث عن الاستعانة بالتقنية في الكتابة غريباً على الأوساط الثقافية المصرية، إذ بات حاضراً في نقاشات المثقفين على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الندوات المتخصصة، وحتى في الأحاديث الجانبية غير الرسمية. غير أن ذلك يظل في نطاق التلميح والتداول العام، وكأن المسألة تُناقَش بوصفها ظاهرة محتملة أكثر منها ممارسة مُعلنة. فهل يعني غياب الأسماء أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي غير واردة فعلياً، أم أن الحساسية الأخلاقية المرتبطة بها تدفع إلى إبقائها في منطقة رمادية؟ ثم، متى تتحول الاستعانة بالأداة التقنية من خيار مشروع إلى ممارسة إشكالية أو غير أخلاقية؟
يرى البعض أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في السرد يحمل تهديداً حقيقياً للأدب، إذ قد تنتج عنه نصوص مصقولة تقنياً لكنها تفتقر إلى التجربة الإنسانية العميقة، بما تحمله من معاناة وتأمل وتناقض. ووفق هذا الرأي، فإن ما يمنح الرواية قيمتها الفنية لا يقتصر على تماسك الحبكة أو براعة الأسلوب، بل يكمن في تلك المنطقة غير القابلة للقياس، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع الخبرة الحياتية، وهي عناصر يخشى كثيرون أن تتعرض للتسطيح والتكرار حين تُختزل الكتابة في عمليات توليد آلي، تعيد الأفكار والتجارب أنفسها بطرق مختلفة. ربما يتسق هذا الرأي مع دراسة محكمة نُشرت في دورية "ساينس أدفانس" عام 2024، خلصت إلى أن كُتّاب الروايات الخيالية الذين يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمساعدة على كتابة رواياتهم ينتهي بهم المطاف إلى إنتاج أعمال متشابهة بصورة أكبر مما يمكن أن يحدث في حال الروايات التي يكتبها كتاب بأنفسهم.
ولعل أحد أبرز الأسئلة التي يطرحها هذا النقاش يتعلق بملكية النصوص المنشورة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهل تُنسب إلى المؤلف البشري، أم إلى الخوارزمية التي أنتجتها؟ وهل يمكن اعتبارها ملكاً عاماً إذا غاب التدخل الإنساني الجوهري؟ في هذا الإطار، تشير تقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) منذ عام 2019 إلى أن حقوق الملكية الفكرية تنطبق فقط على الأعمال التي يمكن نسبتها إلى الإنسان، ما يعني أن الذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة، لا يمكن أن يكون صاحب حقوق مستقلة على أي نص. وفي المقابل، تقع المسؤولية القانونية كاملة على المؤلف البشري الذي استخدم الأداة، في حال الاقتباس المباشر أو غير المباشر من أعمال سابقة.
هل يحق للقارئ أن يعلم؟
يطرح هذا السياق سؤالاً أبعد من حقوق المؤلف، حول أحقية القارئ في معرفة ما إذا كان النص الذي بين يديه نتاج تجربة بشرية خالصة، أم ثمرة تعاون غير معلن بين الكاتب والآلة. هذا السؤال لم يقتصر على المشهد المصري، بل أثارته دراسات نقدية وأبحاث أكاديمية تناولت الأدب الرقمي وعلاقته بالتقنيات الحديثة. وتشير الناقدة الأميركية نانسي كاثرين هايلز في ورقة بعنوان "النصوص الأدبية كمجموعات معرفية: حالة الأدب الإلكتروني" (2018) إلى أن معرفة القارئ بشروط إنتاج النص، بما في ذلك الدور الذي تلعبه الخوارزميات، تؤثر في أفق التلقي، لأنها تشكل جزءاً من تصور القارئ لتجربة السرد والعمق الإنساني المرافق له.
تقع المسؤولية القانونية كاملة على المؤلف الذي استخدم الأداة
وفي المقابل، يحذر بعض النقاد من تحويل الإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى التزام معياري يُثقل كاهل الكاتب أو يخلق وصماً مسبقاً لأي نص يعترف باستخدام هذه الأدوات، خصوصاً أن دورها بات ممتداً عبر مراحل مختلفة في الكتابة، من التحرير اللغوي إلى توليد الأفكار وبناء الشخصيات. ويرى هؤلاء أن التركيز يجب أن يكون على جودة النص نفسه ومدى قوة السرد والفكرة، لا على الوسائل التقنية المستخدمة في إنتاجه. وفي السياق نفسه، انتشرت تطبيقات تزعم قدرتها على كشف النصوص الآلية، إلا أن التجربة العملية أظهرت محدودية هذه الأدوات، إذ صُنّفت أحياناً نصوص كتبها بشر قبل ظهور الذكاء الاصطناعي على أنها نصوص آلية، ما يعكس صعوبة التمييز بين الإبداع البشري والإنتاج الرقمي ويزيد من تعقيد النقاش حول الإفصاح وشفافية عملية الكتابة. وعلى هذا الأساس، يقترح آخرون إقراراً طوعياً يوضع في صدر الرواية أو في هوامشها يوضح طبيعة العلاقة بين الكاتب والأداة، بما يضمن الشفافية من دون فرض قيود رسمية، ويتيح للجمهور متابعة التجربة الإبداعية مع الاحتفاظ بحرية التقييم الفني.

Related News
تحطم «إف 16» تركية ومقتل الطيار
aawsat
6 minutes ago
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
26 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
31 minutes ago