Arab
أظهرت نتائج مؤشر مدركات الفساد في القطاع العام لسنة 2025، المعلن عنها مؤخراً، أن مكافحة الفساد في تونس معطلة رغم الحرب التي تعلنها السلطات منذ عام 2021 على المتورطين في الفساد، بهدف استعادة الأموال التي اكتسبوها بغير حق وكبح نفوذ ما تصفه بـ "اللوبيات". ووفق المؤشرات التي كشفت عنها منظمة "أنا يقظ" (فرع منظمة الشفافية الدولية في تونس)، حلت تونس العام الماضي في المرتبة 91 من أصل 182 دولة ضمن المؤشر، كما حصلت على 39 نقطة من أصل 100، محافظة بذلك على نفس النتيجة المسجلة عام 2024.
وقالت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها إنه "في بلدان مثل تونس، يشهد الفضاء المدني تضييقاً متزايداً عبر ضغوط إدارية وقضائية ومالية تُقيّد عمل المنظمات غير الحكومية، حتى من دون سنّ قوانين جديدة". كذلك، ذكرت منظمة "أنا يقظ" في بيان نشرته عبر موقعها الرسمي على "فيسبوك" أن "استمرار تموقع تونس في هذا المستوى المتدني ضمن مؤشر مدركات الفساد يعكس غياب أولوية حقيقية لمكافحة الفساد عند صياغة السياسات والاستراتيجيات العامة".
واعتبرت المنظمة أن تونس شهدت تراجعاً متواصلاً خلال السنوات الأربع الأخيرة، بعد أن كانت قد سجلت تقدماً ملحوظاً إثر سنّ جملة من القوانين المهمة، من أبرزها قانون حماية المبلغين وقانون الحق في النفاذ إلى المعلومة. ووفق "أنا يقظ"، يعزى الجمود في النقاط والترتيب إلى جملة من العوامل، من بينها تواصل غلق مقر "هيئة مكافحة الفساد" للسنة الرابعة على التوالي دون أي سند قانوني، إلى جانب تجميد العمل بالقانون الأساسي المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين.
إغلاق هيئة مكافحة الفساد
منذ أغسطس/ آب 2021، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيّد أمراً بإنهاء مهام الكاتب العام للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي تختص في جمع الملفات واستقبال الشكاوى المتعلقة بشبهات الفساد وتقديمها إلى القضاء. كذلك أخلت الشرطة مقر الهيئة التي أنشئت عام 2011، وأخرجت جميع الموظفين العاملين في المبنى من دون تحديد أسباب رسمية لهذا الإجراء.
في المقابل، أعلنت السلطات التونسية منذ ذلك التاريخ أنها تشن حرباً لا هوادة فيها على الفساد والمحتكرين واللوبيات التي تتلاعب بـ "خبز التونسيين" وتسرق ثرواتهم، حيث جرى فتح تحقيقات قضائية ضد عشرات رجال الأعمال وسجنهم، ومطالبتهم بدفع تعويضات لفائدة الدولة وإعادة الأموال المنهوبة مقابل الإفراج عنهم.
وخلال العقد الأخير، عرف مؤشر الفساد في تونس مساراً متذبذباً؛ فرغم التحسن النسبي عقب ثورة 2011 مع إطلاق مؤسسات وهيئات رقابية وتشريعات جديدة، إلا أن التقدم بقي هشاً. وتشير البيانات إلى أن متوسط نقاط تونس في المؤشر منذ نهاية التسعينيات يبلغ نحو 44 نقطة، مع تسجيل مستويات أعلى قبل عام 2011 ثم تراجع بشكل ملحوظ بعدها، ما يعكس صعوبة تفكيك شبكات الفساد المتجذرة.
آليات معطلة وتداعيات اقتصادية
وتعليقاً على تلك النتائج، يرى الخبير المختص في الحوكمة ومكافحة الفساد، شرف الدين اليعقوبي، أن تونس كسبت أشواطاً مهمة في مؤشر مدركات الفساد في السنوات التي تلت الثورة، قبل أن يتعثر المسار لاحقاً لتعود البلاد إلى نفس مستوى عام 2015. وقال اليعقوبي في تصريح لـ "العربي الجديد" إن مكافحة الفساد تعتمد على حزمة آليات، منها المؤسساتي والقانوني، مشيراً إلى أن الدول التي كسبت معركة الفساد هي التي نجحت في حسن استخدام هذه الآليات.
وأشار اليعقوبي إلى أن تونس تقدمت سابقاً في مسار تركيز آليات صلبة لمكافحة الفساد انطلاقاً من عام 2015، عبر إقرار قوانين التصريح على الممتلكات والتبليغ عن الفساد، والتحقيقات التي باشرتها الهيئة، وهو ما ساهم في تحسين المؤشرات حينها. ويرى أن التراجع الحالي سببه تعطل تلك الآليات، مثل غلق الهيئة، وعدم تطبيق قانون التصريح على الممتلكات، وعدم نشر الهياكل الرقابية لتقاريرها السنوية.
وفي سياق متصل، تشير منظمة "أنا يقظ" إلى أن الضعف المستمر في النتائج هو "نتيجة مباشرة للسياسات المعتمدة منذ أكثر من أربع سنوات، والتي اتسمت بإضعاف مؤسسات دولة القانون وغياب رؤية واضحة للحد من ظاهرة الإفلات من العقاب". وحذر خبراء الحوكمة من تداعيات ذلك على البيئة الاقتصادية؛ حيث يؤكد اليعقوبي أن تأثير ارتباك المسار لا يقتصر على الصورة الدولية لتونس، بل يمتد إلى الاستثمار، إذ ينظر المستثمرون إلى الشفافية كعامل حاسم.
واختتم المتحدث بالإشارة إلى أن أثر الفساد يمتد إلى الحياة اليومية للمواطنين من خلال تراجع جودة الخدمات العامة كالصحّة والتعليم والنقل، وتعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وتآكل الثقة في الدولة. وفي المقابل، تصر السلطات التونسية على أن مكافحة الفساد تظل أولوية قصوى، وأن جميع الإجراءات المتخذة تهدف بالأساس إلى تطهير الإدارة وتعزيز الشفافية.

Related News
تحطم «إف 16» تركية ومقتل الطيار
aawsat
7 minutes ago
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
27 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
32 minutes ago