Arab
عندما كنا أطفالاً، لم نكن نفهم تماماً تلك الازدواجية الغريبة، التي كنّا نشاهدها تتكرر في بيوت أهلنا وأقاربنا، فمن منّا لم يستمع إلى الكبار يتحدثون بحفاوة مبالغ فيها مع ضيف ما، يستقبلونه بالأحضان وبالقُبَل، ثمّ يوزعون الابتسامات والمجاملات مثل حلوى العيد، هذا إذا كان ضيفاً عادياً، فكيف إذا كان ثمّة مصلحة ما معه؟ ثمّ ما إن يغلق الباب خلفه، وعندها لا يهم إن كان ضيفاً عادياً أو ضيفاً مع مصلحة، حتى ينال ما يجب أن يناله من: انتقاد، وتذمر، وربّما شتائم ولا بأس ببعض أحكام القيمة التي تضعه في أسفل السافلين.
وكان يمكن للطفل أن يشعر بالغرابة أمام هذا الانقلاب اللحظي في المزاج ونبرة الصوت وتعابير الوجه، ليكتشف ويتعلّم مبكراً أن الحقيقة في مجتمعاتنا ليست دائماً ما يقال علناً.
كان ذلك النفاق الاجتماعي القديم، يحتاج إلى قدرة على ضبط تعابير الوجه ونبرة الصوت، وأن يخفي المرء مشاعره الحقيقية بمهارة، لأن كل شيء يحدث وجهاً لوجه، بدون شاشة تحميه.
في إحدى المناسبات الثقافية، قبل فترة، جاء أحد الحضور، بعد انتهاء نقاش على منصة حواريّة، صافحني بحرارة، ولم يتردد، وهو يمدحني، في الانتقاص من أحد المتحدثين الآخرين معي على المنصّة، حاولت تهدئة النبرة فقلت: "أعتقد أنّ النقاش كان غنياً، ومن الطبيعي تماماً أن نختلف، خاصة في المواضيع التي تناولناها" ثمّ غادرت.
في السنوات الأخيرة لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد منصات ترفيهية أو للتعبير عن الآراء الفردية، بل تحوّلت إلى مرآة كبيرة تعكس صورة المجتمعات التي تستخدمها
في صباح اليوم التالي، فوجئت بأن الشخص نفسه كتب تعليقاً طويلاً على فيس بوك، موجّهاً إلى المتحدث الذي كان ينتقص منه بالأمس، يفيض فيه إعجاباً، بأفكاره "العميقة" و"البناءة". ولحسن الحظ، أو لسخرية القدر، أنّه لم يشتمني في ذلك التعليق.
شعرت أنّ هذه الحادثة ما هي إلّا امتداد لما خبرته في طفولتي، اختلاف كبير بين ما يقال وجهاً لوجه وما يقال وراء الظهر أو من خلف الشاشة. لكن الجديد هو أنّ هذا التناقض أصبح اليوم يحدث علناً، على منصات نظن أنّها تكشف الحقيقة، بينما هي، في كثير من الأحيان، لا تفعل سوى أنّها تمنح النفاق ميداناً أوسع وشكلاً أكثر نعومة. صار النفاق الاجتماعي لا يحتاج إلى ابتسامة حقيقية، بل يكفي "إيموجي قلب" في تعليق عام، يتبعه في الخاص كلام مناقض تماماً.
في السنوات الأخيرة لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد منصات ترفيهية أو للتعبير عن الآراء الفردية، بل تحوّلت إلى مرآة كبيرة تعكس صورة المجتمعات التي تستخدمها، أو على الأقل الصورة التي يرغب أفراد المجتمع في الظهور بها، وكوني سوريّة أرى هذه المرآة سورية. فبين واقع مأزوم ومعيشة صعبة، وبين فضاء افتراضي فخم ومثالي، ولدَ شكل جديد من النفاق إنه "النفاق الاجتماعي الرقمي"، نقل مفهوم النفاق إلى مستوى جديد أكثر تعقيداً، ففي الفضاء الافتراضي، لم يعد النفاق مجرد "كلمة لطيفة" تحفظ العلاقات أو المصالح الفردية، بل أصبح أقرب ما يكون إلى "هويّة افتراضية/رقمية" يهدف إلى بناء صورة مثالية عن الذات، في عقل الشخص نفسه قبل الآخرين، لتخفي هشاشة الواقع الشخصي والاجتماعي والسياسي. فمن وسط أزمات سياسية واقتصادية خانقة، وبيئة اجتماعية متوترة وخائفة، تظهر على المنصات صور لحياة مترَفة، وسفر، وابتسامات دائمة، وأحاديث عن النجاح والسعادة والحب.
لا أعتقد أنّ هذا التناقض يعكس الرغبة في "الهروب من الواقع" فحسب، بل أيضاً الخوف من مواجهته ومواجهة ما نحن عليه فعلاً. ففي مجتمع يراقب فيه بعضنا بعضاً من كثب، تصبح "الصورة الكاذبة" أهم من "الواقع الصادق" ويغدو كل منشور عرضاً اجتماعياً للنزاهة والنجاح والانتماء إلى القضايا العادلة، حتى وإن كان ذلك كلّه زائفاً.
ولا يقتصر النفاق في عوالمنا الرقمية على الصورة والمظاهر، بل يتجلّى أيضاً في اللغة؛ كلمات التسامح والتقبّل والحب تتكرر حتى تفقد معناها، بينما، على الضفة الأخرى، تزدهر لغة مشبعة بالعنف والكراهية، تظهر فوراً عندما يكون الحوار مع المختلف، أو بين "أعداء الكار".
كما ينشر بعضهم مقولات رنانة عن الأخلاق، أو الدين، أو الوطنية، أو حقوق النساء وحقوق الإنسان، بينما يمارسون نقيضها تماماً في حياتهم اليومية، في انفصال أخلاقي واضح بين الخطاب والواقع، حيث يتحوّل الخطاب إلى واجهة أخلاقية بلا أي مضمون حقيقي.
هذا الانفصال، مهما بدا ظاهرة عامة تخص الآخرين، يدفعني دائماً إلى التوقف قليلاً والمساءلة: هل أنا صادقة على وسائل التواصل الاجتماعي كما أنا في الواقع؟ هل هذا المنشور أو الإعجاب صادق فعلاً؟ أم هو مجاملة؟ أم خوف من سوء الفهم؟ أم محاولة للحفاظ على علاقة ما؟
هل أستخدم لغة أقلّ حدّة، وأكثر قبولاً، تشبه تلك التي أنتقدها؟
الرغبةُ في كسب المتابعين و"اللايكات" تحوّل المآسي الإنسانية إلى "مادة دعائية شخصية" تستخدم لتلميع الصورة ولزيادة الحضور والانتشار الرقمي
رغم أنني أحاول أن أخضع كل ما أكتبه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مقص رقابيٍ داخلي، يقص كل ما يبدو لي زائفاً وأقرب إلى الاستعراض، إلّا أنّ القلق لا يختفي. فأنا بالتأكيد أنجرف أحياناً، فأضع "لايك" لشخص لأني أحبه بوصفه إنساناً، لا لأنني معجبة فعلاً بما كتب. وهنا يصبح السؤال أكثر إرباكاً: هل هذا نفاق؟ أم شكل إنساني من التعاطف؟ أم محاولة للبقاء أقل قسوة في عالم لا يرحم في فضائه الإلكتروني كما في واقعه.
أليسَ مشهداً مألوفاً في الثقافة الرقمية السورية، أن يتحوّل " تمسيح الجوخ" إلى عملة اجتماعية متداولة، تضمن البقاء في دائرة القبول والظهور، حتى لو كان الثمن أخلاقياً.
لا أعتقد، أنّ هذا السلوك، ينبع من خبث دائماً، بل غالباً ما يكون منبعه الخوف من العزلة وفقدان العلاقات "اللايكات" في مجتمع يقوم على المقارنة المستمرّة والشلليّة. لكن في النهاية النتيجة واحدة: انهيار الثقة الحقيقية بين الناس، واستبدالها بعلاقات ظاهرها اللطف، وباطنها التوجس.
حتى هذه النقطة يبدو كل شيء فردياً وشخصياً، لكن ماذا لو وسّعنا الدائرة قليلاً ونظرنا إلى النفاق، ذاك الذي من نوع خاص، إذ يتعدى الشخصي إلى العام عبر القضايا السياسية والإنسانية الساخنة التي يتمّ تبنيها على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تختبئ خلف المواقف "النبيلة"، في أحيان كثيرة، الرغبةُ في كسب المتابعين و"اللايكات" فتتحوّل المآسي الإنسانية إلى "مادة دعائية شخصية" تستخدم لتلميع الصورة ولزيادة الحضور والانتشار الرقمي، في مشهد يعكس كيف أصبح حتى "الوجع الإنساني" جزءاً من لعبة التفاعل، ليفقد الفعل الإنساني معناه، فالقيمة تتحوّل من التعاطف إلى الاستعراض.
حتى في هذه الحالات، قد يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فيتحولون من "متفاعلين" إلى قضاة أخلاقيين رقميين" يهاجمون أو ينتقدون من لا يشارك القضايا على طريقتهم، أو يصفونه باللامبالاة. فيطبقون بذلك معياراً شكلياً للتعاطف مع المآسي الإنسانية، هذا المعيار غير معني بالعمل الفعلي، بل بعدد المنشورات أو الصور المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي.
تبدلت الولاءات والانتماءات تبعاً لموازين القوى، رأينا كيف "كوّع" بعض الكتّاب والمثقفين والنشطاء من تمجيد السلطة القديمة إلى تمجيد السلطة الجديدة، بالمنطق ذاته واللغة ذاتها
وهل يمكن إنكار أن "السوشال ميديا" مارست وتمارس ضغطاً حقيقياً على الفاعلين أو النشطاء الصادقين؟ ألا يجد هؤلاء أنفسهم بين خيارين: أن يظهروا ويثبتوا حضورهم، فيعجبون بمنشورات بعض النشطاء الفيسبوكيين ويشاركون منشورات آخرين خوفاً من أن يساء فهم صمتهم فيُصوَّروا غائبين أو غير مهتمين! يُدفَعون ليصبحوا جزءاً من مكنة النفاق.
لتنشأ بذلك معضلة جديدة، إذ يصبح القلق على الصورة الشخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي أقوى من الإيمان بالفعل، ويتحول النشاط الواقعي في أحيان كثيرة إلى مجرد محاولة لتصحيح الانطباع الافتراضي، لا لتغيير الواقع. وقد يكون خير مثال على ذلك ما عاشه الشباب السوري خلال 14 عاماً من الثورة. فكثيرون من أولئك الذين بدؤوا فاعلين حقيقيين على الأرض: منظمين في الحراك، أو مسعفين ومتظاهرين، ومثقفين وسياسيين كذلك، وجدوا أنفسهم مع مرور الوقت ينسحبون من العمل الميداني الفاعل إلى منصات التواصل الاجتماعي.
في البداية كان الفضاء الافتراضي ملاذاً للتعبير الحرّ بعد أن ضاق الواقع، لكنه سرعان ما تحوّل إلى عبء نفسي ورقمي ومساحة للاستعراض والنفاق معاً، إذ أصبح بعض النشطاء يشعرون أن عليهم أن يكونوا حاضرين على " السوشال ميديا" ليثبتوا وجودهم، وأن يرفقوا صوراً خاصة ليقنعوا الآخرين بصدق مواقفهم، ولينالوا إعجاب النشطاء "المهمين".
لكن ما لبث أن تحوّل النشاط الرقمي إلى دليل إدانة أمام النظام البائد، الذي كان قد اخترق كل المنصات، فاستشهد كثيرون بعد اعتقالهم بسبب منشوراتهم أو آرائهم التي وثّقت لحظات من الصدق. ترافق ذلك أيضاً مع موجه تشبيح ونفاق لكسب رضى سلطة الأسد، إذ تحوّل مثقفون عديدون إلى "منافقين" للسلطة، بل تحوّل بعضهم إلى كتبة تقارير وفسّادين. ولكن هل اختلف ذلك بعد سقوط الأسد؟ أم اختلف الاصطفاف فحسب؟
في الحقيقة، فقط، تبدلت الولاءات والانتماءات تبعاً لموازين القوى، رأينا كيف "كوّع" بعض الكتّاب والمثقفين والنشطاء من تمجيد السلطة القديمة إلى تمجيد السلطة الجديدة، بالمنطق ذاته واللغة ذاتها. وكأنّ مهنتهم "مسح الجوخ لا العمل الثقافي، هؤلاء لا يتغيّرون حقاً، بل يعيدون تلوين خطاباتهم، بما يتناسب مع المرحلة، إنهم نموذج صارخ " للانتهازية والنفاق" حيث تتحوّل القيم إلى أزياء سياسية تتبدل بحسب الحاكم.
... أخطر ما في هذا أنه: يرسّخ ثقافة النفاق بوصفها وسيلة ذكية للنجاة واكتساب الشعبية، لا بوصفها خطيئة أخلاقية، لأنّنا عندما نرى المنافقين ينجون ويتصدّرون، يبدأ بعضهم بتبرير التلوّن وسيلة للبقاء. وبالرغم من ذلك كله، لا يمكن إنكار أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، ولا دورها في كسر الصمت وفتح مساحات للتعبير، لكن قوتها هي ما يجعلها مرآة قاسية لنا جميعاً. فهي لا تعرض فقط ما نريد قوله، بل تفضح ما نخشى الاعتراف به.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
12 minutes ago
كارثة مرورية في اليمن تحصد أرواح 11 شخصًا وتخلّف مصابين
al-ain
13 minutes ago
برشلونة تزف خبراً ساراً لحمزة عبد الكريم
al-ain
27 minutes ago