حامد بدرخان... كردي وسوري وشيوعي ونيتشوي
Arab
2 weeks ago
share
كأنَّه في نوبة تشنجية أنَّى صادَفْتَه، نادراً ما يبتسم، فكيفَ يضحك؟ حامد بدرخان (1924-1996) أو "حميد بن مراد بن حسن خضر" وهو اسمه الذي وُلِدَ عليه في قرية شيخ الحديد التابعة لمنطقة عفرين محافظة حلب، والواقعة على الحدود التركية من الجهة الشمالية الغربية من سورية. والتي غادرها طفلاً إلى تركيا ليدرس في مدارسها ويتخرَّج من كلية الآداب بجامعة اسطنبول، ويتعرَّف إلى مجموعة من المثقفين الأتراك مثل ناظم حكمت، والرسام عابدين دينو، والروائي عزيز نيسين وآخرين. ومن ثمَّ يعمل في جريدة Gûnydin (صباح الخير) ويُعتقل عدَّة مرات، ويسافر إلى فرنسا التي لم تدم إقامته فيها. حامد رجلٌ شاعرٌ قُدَّ من فولاذ، كما قُدَّ من أَلَمْ، رجلٌ ضدَّ قتل الغيلة والغدر، شاعرٌ كَوْنِي لا يعرفُ المجاملةَ إِنْ في قوله الشعر أو في أفعاله، لأنَّ الشعر خشوعٌ وجرأة؛ في آخر قصيدة كتبها قبل وفاته بأيام يقول: "لا أريد أن أعيش على حساب الآخرين، أريد أن أموت بريئاً وليس قاتلاً، أنا من الهنود الحمر، أنا من فلسطين، أنا من سلفادور، أنا من ديرسم، أنا من مهاباد، أنا من شقلاوة، أنا من بريتوريا، أنا من تشيلي، أكرهُ كلَّ أولئك الذين يسرقون أرضي وخيراتي". حامد شاعرٌ فارسٌ شجاعٌ، وإِنْ كان يَحْسبُ لعيون المُخبرين حساباً منذ تمَّ اعتقاله في تركيا وأودِعَ سجن أنقرة بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي التركي مع الشاعر ناظم حكمت - هناك روايات كثيرة مُتداولة أنَّه شاركَ في تأسيس الحزب الشيوعي التركي- من خلال صداقتي له والملازمة اليومية منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي وحتى رحيله في 29/4/1996، كان يتهرّبَ من تأكيد هذه الواقعة أو نفيها، وكذلك صداقته بالشاعر الفرنسي لويس أراغون الذي تكنّى باسمه إِذْ تَسمَّى باسم (حميد أراغون) حيث كان يوقِّع به مقالاته وأشعاره، لكنَّه بعد هربه من السجن في تركيا إلى سورية عام 1947؛ إذ كانت السلطات التركية حَكَمَتْ عليه بالإعدام، قام بتغيير اسمه وكنيته خوفاً من الملاحقة التركية ومخابراتها له داخل سورية، وأصبح اسمه حامد بدرخان. وهي كنية "بدرخان" كان أهداها له الأمير والكاتب السياسي الكردي "جلادت بدرخان" حينما كان في اجتماع مع بعض أعضاء حزب (خويبون) - حزب الاستقلال "Xoybûn" الكردي، الذي أسَّسته مجموعةٌ من المفكِّرين الكُرد المُبعدين في سورية، إذ اتفق المجتمعون بأنَّ الشاعر حامد جديرٌ بحمل هذه الكنية! حامد بدرخان شيوعي لم يُخفِ عداءه إِنْ في شِعْرِه أو في أفعالِه وأقوالِه للنُظم الشمولية والمُستبدَّة، وكان يرى أنَّ التطرُّف هو عينُ الإرهاب، كُنْتَ في اليمين أو في اليسار الشعرُ عند حامد بدرخان يُحرِّضُ على الحياة، وله أصواتٌ ذات جرسٍ سامٍ تحضُّ على البطولة فلا تخمد شعلة الأمل، رغم الشعور المأساوي الذي يعيشه وكأنَّه في محنة دائمة؛ وهو الذي كتبه بأربع لغات: التركية، الكردية وهي لغته الأم، الفرنسية، ومن ثمَّ العربية التي صارت لغته اليومية الأولى بعد استقراره في سورية، وقد وصل عدد دواوينه إلى قرابة ثلاثين ديواناً من الشعر، منها خمسة عشر ديواناً باللغة التركية، واثنان باللغة الكردية، صدر الأوَّل عام 2006 تحت عنوان (شيْيّهِ)، والثاني عام 2008 تحت عنوان (سردور اجييانه)، وأحدَ عشرَ ديواناً باللغة العربية صدر أوَّلها بعنوان "على دروب آسيا" عن دار الحوار باللاذقية عام 1983، والثاني "ليلة هجران" بالإضافة إلى مذكَّراته المفقودة التي لا نعرف عنها شيئاً، ولولا تدخل امرأة من مثل إلزا أراغون وتطوعها، هي (نازلي خليل) التي طبعت الأعمال الكاملة على نفقتها الشخصية طبعةًّ ممتازة ووزَّعتها مجَّاناً، لما رأتِ النور، وكنتُ قدَّمتُ لها مجموعة من مقالاته وقصائده التي لم تُنشر، كان أودعها عندي مع صورٍ له مع الشاعر ناظم حكمت في صدر صحيفة تركية.  حامد بدرخان شيوعي لم يُخفِ عداءه إِنْ في شِعْرِه أو في أفعالِه وأقوالِه للنُظم الشمولية والمُستبدَّة، وكان يرى أنَّ التطرُّف هو عينُ الإرهاب، كُنْتَ في اليمين أو في اليسار. لا هو مع العنصرية ولا مع العرقية، هو مع الجمال الإنساني، الجمال الذي لا يتحوَّل إلى سلعة، أو إلى أقنعة سياسية للأنظمة، سرعان ما تحوِّله إلى قوَّة هجومية على كلِّ ما هو عقلاني في الحياة. حامد كما عرفتُه شاعرٌ تُثيره مشاهد القتل، مأساة الإنسان الذي يقتل إنساناً من بني جنسه. في شِعره ستراه يصارع الطغاة، والشعر هو الكفاح لتحقيق الذات، ودفعاً لمقولة "أنا أتألَّم أنا موجود". هو يريدُ أن ينزعَ الألمَ من عبوديةٍ أو جوعٍ أو قهرٍ أو استغلال. تراه؛ وكُنَّا نُجالسه في "مقهى القصر" بحلب أنا وعلي كيخيا ومحمود زعرور ورياض الصالح الحسين وبشير البكر وخالد درويش ونذير جعفر، تراه يريد أن يستبدل كبرياء الفقراء المطعونة بخناجر الأغنياءْ؛ بكبرياء الشهيد، كبرياء الحرب عليهم. لذا جاء شعره حافلاً بمفردات الحريَّة والحب، وتراه، كما لو كان قلبه قلب طفل وهو يكتبُ ما يكتبُ من الشعر، وباندفاع جامحٍ نحو الحياة، ليعيش الناس حياتهم شامخي الرؤوس، لا تحقير ولا إذلال ولا ظمأ ولا جوع، ولا عبيداً لحكَّامٍ يُطاردوننا بالسياط والسكاكين فنكون- يكون الإنسانُ سيِّدَ مصيره. حامد في شعره كما في حياته تراه ضدَّ عنف الأفراد وعنف الدولة، الذي يُمارس على الناس، وإذا أردتَ أن تهدم جداراً أو جسراً عليك أن تُقيم جداراً أقوى منه. فتراه يمسك مطرقةً يحطِّمُ فيها كلَّ أدوات القهر والاستغلال السياسي والاقتصادي، هو يفزعُ للناس- يهبُّ لنجدتهم، هو يريد في شعره كما في أفعاله أن يكون صمَّام أمانهم، فلا يقعوا فرائس للدولة الشمولية، هو يُشغِّل الفكر، يريد أن نُشغِّل الفكر الذي يولِّد بدوره الوعي حتى لا يُهيمن القوي على الضعيف، من خلال ملكيته أو تسلطه على قوت يومهم. حامد لا يريدُنا أن نسجنَ أفكارَنا عن الحريَّة والعدالة والمساواة، يريدُنا، يدفعُنا، يُحرِّضُنا لأن نُطلقها. المهم أن تصل، سلكتَ الطريق القومي، أو سلكتَ الطريق الأممي. لماذا تختصمان، بل وتتعاديان؟ وأنتما من نخب الكُرد، من النخب الثقافية التي تربَّت على الجدل حامد بدرخان كان في جانبٍ من تفكيره (نيتشوياً)؛ الحربُ وحدها مَنْ يصنعُ السلام. في لقائين كنتُ فيهما طرفاً محاوراً مع الشاعر الكردي "جيكر خوين" 1903-1984 أو شيخموس حسن Cegerxwîn، وتعني (الكبد الدامية) في اللغة الكردية، وحامد بدرخان تَمَّا في حلب، في حي بستان الباشا في منزل "أم آزاد" شقيقة نازلي خليل، في أواخر السبعينيات من القرن الماضي لم يتنازل أيَّ منهما في التقدُّم من الآخر ليتصافحا وليمحوا كلَّ أثرٍ للخلاف والحرب بينهما. جيكر خوين مثل جبل، وحامد كما الرعد والبرق؛ الإنسان الأمَمي أوَّلاً ومن ثمَّ (الكُردي). فيما جيكر خوين كان يُقدِّم كُردِيتَه على الأمَمية وهو الذي ابتدأ شعره وحياته السياسية شيوعياً. خلاف، ولكنَّه بمثابة حرب. كيف نُقرِّب بينهما؟ تساءلتُ أنا وأم فؤاد نازلي مُلهمة حامد، فقلتُ لها: لنمسك كلانا بيديهما، وندفعهما ليتصافحا فنُنهي هذه الحرب، حاولنا، وبعد تدخل الضيوف تصافحا. مضى أكثر من ساعتين في أحاديث جانبية، وجيكر خوين وحامد لا يكسران صمتهما ويتحادثان، فقلتُ لهما: نحن نلتقي لِنَنزعَ العروق المتوحشة للحرب بينكما. جيكر خوين أنتَ إنسان تحبُّ قومكَ الكُرد، وحامد هو مثلك كُرديٌ يحب كردستان لكنَّه سيذهبُ إليها عن طريق (الأوتوستراد) الأممي. ما المانع؟ طالما أنتما ذاهبان بالاتجاه نفسه، ما العيب في أن تتنوع الطرق؟  إنَّ كلا الشاعرين يملكان عقلاً حقيقياً، وربَّما كان كل منهما على حق في موقفه من القضية الكردية. قلتُ لجيكر خوين: المهم أن تصل، سلكتَ الطريق القومي، أو سلكتَ الطريق الأممي. لماذا تختصمان، بل وتتعاديان؟ وأنتما من نخب الكُرد، من النخب الثقافية التي تربَّت على الجدل، وصارت مثلاً ورمزاً أعلى لعامة الأكراد.  لقد رحلَ حامد بدرخان ذاك الشاعرُ والمفكِّر الثوري الذي كنا نرقصُ معاً رقصةَ زوربا الوحشية وفوق سطح بيته في قرية "شيخ الحديد"، الرقصة التي توقظ وتثير وتستثير كلَّ خلايا الحب والسلام النائمة، رحلَ فيما قصائده بقيت كروحه التي لم تفارقنا: "سأجمعُ كلَّ مُناضلي الأرض من رأس الرجاء الصالح إلى آخرِ آلاسكا، سأجمعُ كلَّ الكوبيين والكوريين والفيتناميين، وجميع الأحرار، لمساندة قضيتي، وأضحِّي بدمي وأقولُ لكِ وداعاً يا حبيبتي؛ فقيرٌ أنا ليس لديَّ ذهبٌ ولا دولار، وغنيٌّ قلبي بعقيدتي، وأنا مؤمنٌ عنيدٌ بالنصر، وبالأيام الجميلة الآتية لنا وللعالم".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows