صدّق أو لا تصدّق: يسار فرنسا ينتصر للأوليغارشية
Arab
2 weeks ago
share
ما كان يُعدّ إلى وقت قريب فكرة غير قابلة للتصديق، بل جملة ثقيلة لا تُكتب إلّا على سبيل السخرية، صار اليوم واقعاً سياسياً في فرنسا، عندما اختار أحد أقطاب اليسار السير في طريق السلطة، ويتحول من حزب وُلد من رحم النضال الاجتماعي إلى عامل استقرار لحكومة تفرض موازنتها العامة بالقوة. الصدمة في باريس لم تكن في تمرير الموازنة العامة للدولة لعام 2026، ففي الأخير ستمرّ مثلما مرّت السابقة، لكن تكمن في اليد التي اختارت أن تُمسك بها السلطة وتمنحها الشرعية السياسية. فلم يتصوّر أشد المتشائمين أن يكون الاشتراكيون هم طوق نجاة الجهاز التنفيذي الذي يتبنى نظرة ليبيرالية متوحشة أحياناً. اليسار في فرنسا لم يكن يوماً مجرد لافتة انتخابية أو توازن داخل البرلمان، بل كان تاريخياً تعبيراً سياسياً عن انحياز واضح للطبقة الكادحة، وعن صراع طويل ضد تركّز الثروة والامتيازات. من المصانع إلى الشوارع، ومن النقابات إلى البرلمان. في فرنسا وعلى مدار تاريخها، بُني اليسار على فكرته البسيطة، أنّ الدولة يجب أن تحمي من يعمل، لا أن تُراكم الامتيازات لمن يملك. لهذا السبب تحديداً، يبدو التحالف العملي الذي نشأ خلال أزمة الموازنة بين السلطة التنفيذية والحزب الاشتراكي الفرنسي صادماً؛ لأنه يعاكس هذا المسار بدل أن يمتدّ له. تمرير موازنة الدولة بالقوة عبر المادة 49-3 من الدستور لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء في سياق انسداد سياسي ومفاوضات فاشلة. غير أنّ اختيار اللجوء إلى هذه الأداة، ثم تأمين بقائها عبر الامتناع عن إسقاط الحكومة، أعاد طرح سؤال جوهري، أين يقف اليسار حين تُهمَّش المؤسسة البرلمانية؟ وحين يُطلب منه الاختيار بين الاستقرار السياسي والانسجام مع مبادئه الاجتماعية، أي طريق يسلك؟ التاريخ الفرنسي يقدّم إجابات واضحة على هذا السؤال. اليسار، في لحظاته القوية، لم يكن يساراً متردّداً أو خائفاً من المواجهة، ففي مطلع القرن العشرين، كان جان جوريس أحد الآباء الروحيين لليسار الفرنسي، يرى في الاشتراكية موقفاً أخلاقياً قبل أن تكون برنامجاً، وكان يعتبر الدفاع عن العمال والفقراء جزءاً من معنى الجمهورية نفسها. وفي عهد الرئيس فرانسوا ميتران، لم يتردّد اليسار في تحدي المصالح المالية الكبرى وفرض الضريبة على الثروة، لأنه كان مقتنعاً بأن شرعيته تأتي من القاعدة الاجتماعية، لا من رضا الأسواق. في تلك الفترات، كان اليسار يُسقط حكومات أو يفرض عليها التراجع عن مواقفها وقوانينها، لا بدافع الفوضى، بل باسم التوازن الديمقراطي. اليوم، تغيّر المشهد تماماً، اليسار لم يعد جبهة واحدة متماسكة، بل طيفاً من الحسابات المتباعدة. وانحصر التركيز في ملفات محددة، أبرزها التقاعد، وكأنّ العدالة الاجتماعية تختزل في سن الخروج من العمل فحسب. لا شك أنّ التقاعد قضية مركزية، لكن اختزال الصراع فيه سمح بتمرير موازنة لا تعالج سؤالاً أكثر عمقاً، من يدفع كلفة الدولة فعلاً، ومن يستفيد من مرونة النظام الضريبي؟ النظام الضريبي الفرنسي يوصف بأنه تصاعدي، أيّ أن من يملك أكثر يدفع أكثر. لكن الواقع اليومي يقول شيئاً آخر. العامل والموظف يدفعان ضرائبهما كاملة دون هامش مناورة، لأنّ دخلهما واضح ومباشر. في المقابل، يمتلك الأثرياء أدوات قانونية ومالية تسمح لهم بتقليص العبء والتهرّب الضريبي، من خلال طبيعة الدخول الرأسمالية، أو الاستثمارات، أو الإعفاءات المختلفة. والنتيجة ليست مساواة، بل شعور متزايد بالظلم، لأنّ الجهد الضريبي غير متكافئ. هذا بالضبط كان أحد أعمدة الخطاب اليساري التقليدي، وبيت القصيد الذي ظل حزب فرنسا الأبيّة اليساري متمسكاً به لآخر أنفاس إقرار الموازنة. إلى جانب البعد الاجتماعي، برزت أزمة ثقة عميقة. حين يعلن رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو أنه لا ينوي استعمال المادة 49-3، ثم يعود إليها دون تردد بعد أن ضمن حلفاً قد يبدو خائناً في نظر اليسار، فإنّ الرسالة التي تصل إلى المواطنين بسيطة وقاسية في آنٍ واحد، الوعود السياسية قابلة للكسر متى تغيّرت موازين القوى. والأخطر من ذلك هو حين يجد هذا السلوك من يبرّره داخل معسكر يفترض أنه معارض. هنا لا تضعف الحكومة وحدها، بل تضعف الثقة في السياسة نفسها، ويتعزز الشعور بأنّ القرارات تُتخذ بمنطق القوة لا بمنطق التعاقد الديمقراطي. قد يعتقد البعض أن اليسار في فرنسا دخل مرحلة المرض، لكن موقف حزب فرنسا الأبية الذي تقدّم بمذكرتَين لحجب الثقة بعد تمرير الموازنة، منحه جرعة أكسجين، سواء اتُفق أو اختُلف مع خطاب وأسلوب الحزب، فإنّ هذا الخيار كان منسجماً مع منطق دستوري واضح، الحكومة التي تفرض قانوناً دون تصويت تتحمل خطر إسقاطها. وفشل محاولة الحجب هذه، كان بسبب انقسام اليسار واصطفاف الاشتراكيين مع القوة الحاكمة، وإلّا فإنّ لوكورنو كان حالياً جالساً مع مَن سبقوه في المنصب فرانسوا بايرو وميشيل بارنييه وكلاهما أُسقطا بمذكرة حجب ثقة. موجة الغضب داخل قواعد اليسار وفي الشارع الفرنسي تجاه الحزب الاشتراكي تبدو مبرّرة. فالغضب لا ينبع من خلاف تكتيكي فحسب، بل من إحساس عميق بالخيانة السياسية. فلم يكن أحد يتوقع أن يأتي يوم يقف فيه الاشتراكيون عملياً إلى جانب السلطة ضد رفاقهم في النضال الاجتماعي. هذا التحول يفرض اليوم إعادة تصنيف صريحة، ليس بهدف الإقصاء، بل من أجل الوضوح. الأحزاب تُقاس بمواقفها في اللحظات الصعبة، لا بخطاباتها في الحملات الانتخابية. في النهاية، الموازنة العامة للدولة الفرنسية مرّت، والدولة تجنّبت شللاً مؤسساتياً، لكن الثمن المعنوي ثقيل. ما جرى سيبقى لحظة مفصلية في تاريخ اليسار الفرنسي، لا بسبب المادة 49-3 في حد ذاتها، بل لأنّ يساراً وُلد للدفاع عن الطبقة الكادحة بدا وكأنه تخلّى عن هذا الدور طواعية. وإذا استمر هذا المسار، فإنّ الأزمة لن تكون أزمة حزب واحد، بل أزمة فكرة كاملة، فكرة اليسار كصوت لمن لا صوت لهم. عندها، لن يكون المنتصر هو الاستقرار ولا الدولة، بل منظومة الامتيازات التي لطالما وُجد اليسار لمواجهتها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows