كان صباحاً هادئاً، يعجّ بفرحة العيد التي عانقت البيوت البسيطة، حيث تلتف العائلات حول موائد الفطور، وتتعالى الضحكات الممزوجة برائحة الفلافل الساخنة والخبز الطازج؛ في ريف بانياس تحديداً ضيعة حرف بنمرة، طفل في الثالثة عشرة من عمره يضم بين يديه فطوره المتواضع: فلافل مع الطحينة، لم يكن يطلب من الدنيا الكثير، فقط لحظة دفء مع أسرته، وضحكة تكتمل بطعم أول لقمة من يوم العيد.
لكن هذا العيد لم يُكتب له أن يكتمل، فقد تقدم الغدر من خلف الأبواب المفتوحة كعادة أهل الريف، حيث كان الأهل يقدمون الشاي وحلوى العيد لمن ظنّوهم ضيوفاً، غير مدركين أنهم يحملون في طياتهم رائحة الموت!! وفي لحظة تحول الدفء إلى رعب، والصباح إلى كابوس لن يُمحى من ذاكرة سورية.
إنها مجزرة، سلبت من العيد قدسيته، ومن الضيافة معناها، ومن الإنسانية وجهها، كيف يمكن أن تتحول لحظة كرم إلى لحظة خيانة؟
كان إبراهيم شاهين أضعف من أن يواجه الموت، لكنه كان كبيراً بما يكفي ليُقتل بدم بارد!! لم يكن يحمل سلاحاً، لم يكن مذنباً، لم يكن سوى طفل فقير لا يملك حتى ثمن حزام لبنطاله الواسع، فاستعاض عنه بقطعة قماش ربطها حولَ خصره، كي لا يسقط!! لكن القدر اختار له بأن يسقط جسده النحيل بدلاً من بنطاله، ليسقط معه أيضاً معنى العيد، ومعنى الوطن.
إنها مجزرة، سلبت من العيد قدسيته، ومن الضيافة معناها، ومن الإنسانية وجهها، كيف يمكن أن تتحول لحظة كرم إلى لحظة خيانة؟ كيف يمكن أن يموت طفل بلا سبب سوى أنه كان في المكان الخطأ، في الزمن الخطأ، أمام قلوب لم تعرف للرحمة طريقاً؟
تُكتب هذه الكلمات، لا لتكون مجرد تأبينٍ آخر في سجل الجرائم المنسية، بل لتكون صرخة تذكر العالم بأن هناك أرواحاً تُسحق بلا سبب، وأن البراءة تُعدم أمام مرأى الجميع. كم من طفل آخر يجب أن يسقط؟ كم من أمّ أخرى ستفجع؟ كم من عيد آخر سيتحول إلى مأتم؟ وكم من تغاضٍ بعد عن قذارات فردية تنتهك أبناء الساحل السوري؟
رحم الله كل من سُلبت أرواحهم غدراً وظلماً، ولعل هذه المجزرة تكون الأخيرة وتوقظ ضميراً غافلاً، أو تحرّك قلباً كاد أن ينسى معنى الإنسانية، قبل أن تتحول سورية بأكملها إلى مقبرة جماعية.
Related News

