"روزيتا المقدّسة": أداء بديع في نصٍّ سينمائي ماتع
Arab
23 hours ago
share

 

يطرح المخرج البلجيكي وانيس ديستوب (1985) مفهوم الجسد ومواصفاته المثالية للبحث السينمائي، من منظور غربي قابل للمحاكاة على نطاق أوسع، ما دام يتعلّق بمفاهيم فلسفية واجتماعية كونية الطابع، تُلحّ مناقشتها وبحثها في إطار مراجعة المحدّدات والمقاييس الجمالية التي يضعها الإنسان في مرحلة تاريخية معيّنة، وتغدو مع الوقت حكماً، على الجميع أنْ يخضعوا لها، ومن دونها توصم كلّ حالة مُخالِفة لاشتراطاتها خروجاً عن العادي والسويّ، كحالة روزيتا.

"روزيتا المُقدّسة" (2024) يقترح تجسيداً لحالة مخالفة للمقاييس الجمالية الاجتماعية. عليها، بسبب سُمنتها وضخامة جسدها، أنْ تتحمّل تبعات ذلك. مواصفات جسدها تُكرّس النظرةَ الجاهزة إليها ككائن عاجز وغير مناسب للعب أيّ دور حياتي مُهمّ، ولا حتّى طبيعيّ، كإنجاب الأطفال. سوء وضعها الاقتصادي، والسياق المتقطّع لعلاقتها بأهلها، يزيدان من ثبات تلك النظرة ويعزّزانها. كلّ عذوبة روحها ونقاء سريرتها لن يُبدّلا شيئاً منها.

لتجسيدها سينمائياً، يضع ديستوب بطلته أمام الكاميرا أغلب زمن مُنجزه الروائي هذا، الفائز بجائزة أفضل فيلم في مسابقة الدورة الـ42 (22 ـ 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024) لـ"مهرجان تورنتو السينمائي الدولي". وفي اختياره مقياس شاشة عرض 3/ 4، يُضاعف من صعوبة دورها، ويُخضِع انفعالاتها وأداءها التمثيلي لمراقبة أدقّ من مُشاهدها. من قرب، عليها التعبير عن جوانيات امرأة عفوية وحيدة، والطفل الذي في داخلها لم يكبر، ويُسيّر أفعالها، وهو في الوقت نفسه من يُسبّب لها أوجاعاً، ويزيد من تعقيدات حياتها.

في الحي الشعبي المُقيمة فيه، تعقد روزيتا علاقات اجتماعية طيبة مع جيرانها. تهتم بأطفالهم. تلعب معهم، وتأخذهم أحياناً إلى مدن الملاهي. من راتبها البسيط، تصرف عليهم. في ورشة غسل الملابس وكيّها، تتعاون مع زميلاتها، وتُقدّم العون إلى المُحتاجات منهنّ. قلّة راتبها الشهري تُعوّضه بالعمل في المنزل مُدلّكة مَسّاج، من خلاله تُقيم علاقات جنسية عابرة وخجولة مع بعض الزبائن الرجال. يتَبيّن في سياق السرد أنّ الحَمل من أحدهم هدفٌ آخر لوظيفتها المنزلية. إسقاط جنينها الأول ترى فيه "الأم"، كما تسمّي هي المرأة التي تربطها بها وبزوجها علاقة إنسانية، دليلاً على فشلها الأكيد في أنْ تكون أمّاً.

المشاهد الجامعة للحياة العمالية، والانحيازات الأنثوية فيها، مع بقاء روزيتا في بؤرتها طيلة المَشاهِد المجسّدة لتعقيداتها، تسرّب خوفاً من التورّط في سرد ميلودرامي تقليدي. لكنّ المفاجآت الحاصلة في مساراتها الدرامية، وشدّة انفعالات شخصياته إزاءها، تُبعده عن ذلك التوصيف، وتجعله نصاً درامياً عميقاً يُثير أسئلة عن قساوة مجتمعات تحكمها قوانين سوق رأسمالية، تُعامل الجسد البشري كبضاعةٍ، قيمتها من قيمة المواصفات التي تضعها له. ما تملكه روزيتا من مواصفات جسدية لا يوفّر لها حظاً لا في الرجال، ولا في علاقات سوية مع الآخرين، حتّى مع "الأم" التي تتعامل معها، كمُعوضَة لحرمان عندها من علاقة عائلية سوية، لا أكثر.

 

 

يذهب النص السينمائي البارع (ديستوب وجانّ دِسْمَت وتوم دوبون) إلى مديات أبعد من رسم صورة بطلته في حدودها الحياتية الضيّقة، بتركها عرضة لتقلّبات دراماتيكية دائمة: إخفاء حملها عن أمها، تركها العمل لاضطرابات نفسية متأتية من ضغوط شتّى تأتيها من كلّ مكان، كأنّ الجميع أوصياء عليها، يطالبونها من دون فكاك بإسقاط جنينها. معاندتها لهم تضعها أمام محاكم اجتماعية وأخلاقية. الجهات الصحية تعاملها كما يعاملها الجميع، ودائرة الضرائب تقرّر وضع اليد على أثاث شقّتها لتأخّرها في دفع ديونها، والجيران يتوجّسون من حَملها خِفية. الأطفال وحدهم يبقون على صداقتهم معها. الطفل الذي فيها يتشارك معهم دائماً أفراحهم وسعادتهم.

ذلك التكوين الغارق في طيبته ونقائه تُوجع مشاهدة انكساراته. تدرك روزيتا، المُحاطة بالضغوط، أنّ هناك قواعد يضعها آخرون غيرها، ويريدون أنْ تخضع لها. تُدرك، بحسّها الأنثوي، أنّ هؤلاء لا يشعرون بقلقها، ولا يُقدّرون معاناتها. يتجسّد ذلك في لحظة الحزن التي تنتابها بعد أخذ قلّة ما تملكه من أثاث شقتها، ومحاولة جهات رسمية استلاب القوّة الداخلية القليلة التي تدخرها لتحمّل قرار الإبقاء على جنينها. مشهد خروجها ليلاً وحيدة، كما في الواقع، تهيم على وجهها في الدروب بحثاً عن سلامٍ داخلي تنشده، بعد كثرة خيبات، يجسّدها (المشهد) بكامل أبعادها النفسية.

يمنح عنوان الفيلم صفة القداسة لروزيتا. الأمومة والتشبّث بها خارج الأطر وقوانين السوق الرأسمالية والنفاق الاجتماعي السائد القابل بها ربما يكونان مبعث التسمية ومصدرها. روزيتا، في سياق السرد، غير معنيّة بها، فهي تبدو فيه كملايين النساء التوّاقات إلى أنّ يُصبحن أمهات، بغض النظر عن مواصفاتهن الجمالية أو مكانتهن الاجتماعية. ذلك الحق الطبيعي يُراد التحكّم به، ضد غريزةٍ أدامت الوجود البشري.

في هذه الحالة، جميع الأمهات يمكن أن يَكُنّ، وفق رؤية وانيس ديستوب، قدّيسات. لا بأس. هذا مُمكن، أقلّه في المخيال السينمائي المشفوع بحبّ طافح للمرأة، المُعاندة لجبروت الأحكام المسبقة، بقوّة التشبث بكل جميل وعفوي في الحياة.

تُدهش الأفكار المتواترة في نصٍّ سينمائي ماتع، روعة تمثيل بطلته دافْني أغْتِن تفتح الأبواب أمامها لتكون ربما إحدى الممثلات الأوروبيات الواعدات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2025 © Yemeni Windows