
في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، كان الفنّان اللبناني رفعت طربيه (1948) يقف على الخشبة مُؤدّياً دور هاملت في مسرحية "الأمير المجنون". أطيافٌ وأشباح تحوم فوق الخشبة وتتهيَّأ للأمير الشكسبيري، وأُخرى تطوف في شوارع البلد مُعلنةً الثورة على حُكم المصرف وحُرّاسه الطائفيّين. لم يُكتَب للمسرحية، حينها، أن تُقدَّم سوى لمرّة واحدة. بعدها تأجّل العرض على وقع انهيار مديد غرق فيه لبنان، ولم يُستعَد إلّا بلحظة رمزية في زمن يبدو للكثيرين أنه قد تجاوَز تلك السنوات العِجاف، بعد أن استوت فيه أسماء تغييرية بارزة بواجهة المشهد السياسي.
إذاً عادَ "هاملت" اللبناني مُنتصراً على تيهه، في عروض جديدة قُدّمت خلال الأسبوعين الماضيين (العرض الأخير مساء بعد غدٍ الجمعة)، على خشبة مسرح "بيريت" (داخل حرَم "الجامعة اليسوعية" في بيروت)، من خلال لعبة تراجيدية أرادها كلٌّ من طربيه، ومُخرجة العمل لينا أبيض، أن تكون تحيّةً لروح مُعدِّ النّص بالعربية الفنّان والمُخرج جيرار أفيديسيان (1944 - 2023)، الذي كان قد اختار له عنوان "الأمير المجنون".
تأكيد البُعد السياسي للعمل في إشارة لزمن لبناني جديد
"نكون أو لا نكون" تلك هي الصرخة الوجودية التي تُؤطّر درس المسرحية الكلاسيكية، التي عُرضت لأول مرّة عام 1601 في مسرح "البلاك - فرايز" بلندن، ومنذ ذلك الحين طُوّعت مراراً حول العالم، فاستحالت مَعبراً رمزياً وخلاصياً عند كلّ مُنعطف سياسي تشهدُه المجتمعات. إذاً، مَن قال إنّ الكلاسيكيات استنفدت مهامها واستدعاءاتها عند اللحظات الحَرجة؟ بل من يستطيع أن يُحيّد سِحر "الوحدة الموضوعية" أصلاً؟ ذلك التعبير النقدي الكلاسيكي أيضاً، والخيط الجامع بين الأداء والنَّصّ والإخراج، رغم أننا نعيش زمناً يتسيّد فيه الشكل ويكاد يتلاشى به النَّصّ عن جملة من الفنون المكتوبة ومن بينها المسرح.
"هاملت هو عقل شكسبير"، كما يقول الناقد الأميركي الراحل هارولد بلوم، الذي صنّف المسرحية في كتابه "شكسبير: ابتكار الشخصية الإنسانية"، ضمن الباب السابع المُعنوَن بـ"التراجيديات العُظمى". وبذات المستوى يُمكن القول إنّ "هاملت اللبناني" هو خلاصة تجربة هذا الجيل الذي يُمثّله الثلاثي: أفيديسيان وطربيه وأبيض. في الوقت عينه، يُطرح السؤال على طريقة ت. إس. إليوت: ألم تكن هذه الشخصية أوسع من المسرحية؟ بمعنى أنها تجاوزت نمط "الانتقام" (نوع مسرحي شاع في العصر الإليزابيثي بين عامَي 1580 و1620) إلى "مسرح للعالم" بتعبير بلوم. ربّما هذا هو الامتحان الأصعب الذي يُواجه استعادة مثل هذه الكلاسيكيات، أن يتمكّن أصحابُها من الإيحاء لجمهور غارق في "اقتصاد الانتباه" و"زمن السرعة"، أنّه معنيّ بـ"البطء" وبالتروّي، وأنّه يستطيع أن يلقى إجاباته في مسرحية باللغة العربية الفصحى تمتدّ لساعة وعشر دقائق تقريباً، بعيداً عن تصفّح شاشات الهواتف.
لكن كيف خاطب "مسرح العالم" هذا جمهوره اللبناني اليوم؟ سؤالٌ يجدُ جوابه في أداء طربيه وقدرته على تمثيل النقيضَين: العقل الشكسبيري والجنون الهاملتي، وهُما يتوزّعان على الأداء الخارجي المُنضبط، واللاوعي الداخلي المُنفعِل، خاصة عند أداء طربيه المونولوغ الشهير لهاملت مع حبيبته "أوفيليا"، مُسائِلاً إيّاها: "هل أنتِ عفيفة؟ جميلةٌ أنتِ ها؟ إذا كنتِ عفيفة وجميلة فحذار أن يكون لعفافك أدنى اتصالٍ بجمالك!"، أو وقوفه أمام أُمّه "جيرترود" وقوفَ الذَّكر المذعور على "سُمعته" الضائعة وقد تزوّجت والدته عمَّه؛ قاتل أبيه بالسُّمّ. وهنا تجبُ الإشارة إلى أنّ المسرحية بطبعتها اللبنانية أراد لها كاتبُها أن تبدأ باللحظة الأخيرة من عُمر بطلها، وبالتالي لم يكن فيها وقت للإطالة، إذ كلّ عبارة جاءت في مكانها. بهذا خرَج الجمهور مأخوذاً من قُدرة الفنّان السبعيني على الحفظ، ومن الطاقة المُتبدّية عنده مُخاطباً الحاضرين ومُحاولاً إشراكهم في حواريّة مُحفِّزة.
خُلاصة لتجربة جيل يُمثّله الثلاثي: أفيديسيان وطربيه وأبيض
نبقى مع مقولة "مسرح للعالم"، ونُقلّب وجوهها اللبنانية مع طربيه الذي يُعيد تذكيرنا بسمات تلك الشخصية الإنسانية المُبتكَرة، وراهنيّة ما تطرحه من أسئلة: الشكّ، والأبوّة والبنوّة، والأمومة والبنوّة، والميراث، والزواج والإنجاب، والمنفى والوطن، والمُلك العقيم الذي تبتلعه دُودة العدم وينتهي في أحشاء الصعاليك، بل حتى سؤال التمثيل ذاته وجدوى الخشبة وشهادة الحاضرين على مقربة من "اليوم العالمي للمسرح". أسئلةٌ تُلقى بصُحبة رسولَين من رُسل الموت (طوني فرح ومحمد حجيج)، لا صامتَين ولا متكلِّمين، لكنّهما يُخفّفان من حدّة البُعد المونودرامي في المسرحية. أسئلة تؤكّد رؤية رفعت طربيه لهذا العمل، وعودته بعد قرابة خمس سنوات ونصف السنة، على أنه انتصارٌ للثورة بما هي بداية لزمن البناء و"استعادة الدولة والتاج بعد سرقتهما"، كما يقول في لقاء تلفزيوني أجراه مؤخّراً.
ضمن هذا الإطار، يفتح تأكيدُ طربيه على البُعد السياسي في عمله البابَ أمامنا، بَعد انقلاب وجه منطقتنا على وقع الإبادة والصراعات وإسقاط الأنظمة، يفتحه على قراءة التأويلات العربية المسرحية لـ"هاملت" متى تُستعاد؟ وإلى ماذا تُحيل؟ أو بتعبير مارغريت ليتفين "هملتَة البطل العربي"، أي الأرجحة بين البطل المزهوّ بنصره، والمكسور الذي يُجرجِر مآلاته الخائبة، كما تُنبّه على ذلك في كتابها "رحلة هاملت العربية: أمير شكسبير وشبح ناصر"، الذي يُضيء مئةَ عام من حضور "هاملت" في العالم العربي، ويُبرز التنوّع الأدائي الذي حظيت به هذه الشخصية، وكان من أبرز من أدّاها الممثّلة المصرية فاطمة رشدي (1908 - 1996).
"الأمير المجنون" مسرحية بعيدة عن البذخ البصري والسينوغرافي، كحال المسرح الشكسبيري الذي لعبه طربيه منذ أكثر من خمسين عاماً، وما زال مُصرَّاً على رؤيته له من زاوية الأداء (الصعب) وحسب، وأنّه "لا يتطلّب ديكوراً فهو بالنهاية مسرحٌ شعبي"، كما ورد في البيان التقديمي للعمل. من دون أن يعني هذا أنّ الديكور (حسن صادق) والإضاءة (طارق مجذوب) بالإضافة إلى الملابس (بشارة عطا الله) لم تكن عناصر فعّالة وتجب الإشارة إليها في "الأمير المجنون"، بل لعبت دوراً، في نقل مشاهد الهَمس الأثيري المتمثّلة بوصايا الأب المغدور، والتلقّي المُهلوِس عند الابن السَّاعي للانتقام.

Related News



