
إذا كانت غالبية قطاعات الاقتصاد الأميركي، ولا سيما الصناعية منها والزراعية، تسبّح باسم الرئيس دونالد ترامب لفرضه الرسوم الجمركية على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، فإنّ الدول المتضررة من سياساته تتبنى مواقف مختلفة تذهب إلى حد اتخاذ تدابير انتقامية مضادة لردع اندفاعة الرئيس المتحمّس العائد إلى البيت الأبيض شاهراً سيف الرسوم والعقوبات لتغيير معادلات العلاقات الدولية سياسياً واقتصادياً.
وفي هذا السياق، أتى تصريح رئيس الوزراء الياباني شيجيرو إيشيبا للصحافيين أمس الثلاثاء، حيث قال إن حكومته تعتزم بذل جهود أخيرة لإقناع حليفه ترامب باستثناء بلاده من زيادة الرسوم على السيارات، التي دخلت حيّز التنفيذ ابتداء من اليوم الأربعاء، معرباً عن استعداده للتوجه إلى واشنطن من أجل التفاوض مباشرة مع الرئيس الأميركي، علماً أن من المقرر أن تبدأ الولايات المتحدة تحصيل رسوم بنسبة 25% على واردات السيارات اعتباراً من يوم غد الخميس، كما من المقرر توسيع نطاق الرسوم لتشمل قطع غيار السيارات خلال الأسابيع المقبلة.
وأعلن إيشيبا إجراءات دعم لمساعدة الشركات اليابانية في التغلب على آثار الرسوم الجديدة في ظل المخاوف من أن تؤدي هذه الرسوم إلى أزمة اقتصادية، موضحاً أن الحكومة ستنشئ نحو 1000 موقع استشارات في مختلف أنحاء اليابان لمساعدة الشركات الصغيرة في التعامل مع آثار الرسوم. وفي حين قال رئيس الوزراء في وقت سابق إنه لا يستبعد اتخاذ إجراءات مضادة على الرسوم على السيارات المستوردة، لم يتحدث اليوم عن أي إجراءات انتقامية على الرسوم الأميركية.
بادرت الحكومة الإسرائيلية الثلاثاء، إلى إلغاء جميع الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الواردة من الولايات المتحدة
ومن المواقف البارزة أيضاً أمس، قول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين إن الاتحاد الأوروبي لديه "خطة قوية" للرد "إذا اقتضى الأمر" على رسوم جمركية أميركية جديدة، وذلك بعد أيام من قولها قبل أسبوع، إن الاتحاد يأسف "بشدة" لقرار الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على وارداتها من السيارات الأوروبية، مضيفة أنه "سيواصل البحث عن حلول تفاوضية" مع الولايات المتحدة.
وأبدت أمس، تفهماً لمنطق الولايات المتحدة بشأن استفادة دول أخرى من قواعد التجارة العالمية مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يعاني من تبعات ذلك أيضاً. كما قالت إنها تتفهم رغبة الولايات المتحدة في إنعاش التصنيع لديها مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يريد ذلك أيضاً.
لكنها قالت إن الرسوم الجمركية الأميركية هي بمثابة ضرائب على المستهلكين الأميركيين وستؤجج التضخم وستجبر المصانع الأميركية على دفع المزيد للحصول على المكونات مما سيؤدي لخسارة وظائف. وقالت في كلمة أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ: "هدفنا التوصل إلى حل عبر التفاوض. لكننا بالطبع إذا اقتضى الأمر سنحمي مصالحنا وشعوبنا وشركاتنا". وأضافت: "لا نسعى بالضرورة إلى الرد بالمثل. لكن إذا كان الأمر ضروريا فلدينا خطة قوية للرد وسنستخدمها".
الرسوم الجمركية الأميركية هي بمثابة ضرائب على المستهلكين الأميركيين وستؤجج التضخم وستجبر المصانع الأميركية على دفع المزيد
ومن لندن، قال وزير الأعمال والتجارة البريطاني جوناثان رينولدز أمس، إن بلاده ما زالت تأمل في أن أي رسوم جمركية يفرضها ترامب ستُلغى قريباً إذا تمكن الجانبان من الاتفاق على الخطوط العريضة لشراكة اقتصادية جديدة. وأضاف لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): "أعتقد أن إطار العمل لاتفاق موجود بكل تأكيد ويمكننا أن نوقع البنود الرئيسية في هذا الصدد ثم نتحدث عن التفاصيل المتعلقة بالإطار الزمني المحدد الذي سيرضي الولايات المتحدة بعد ذلك".
وتابع قائلاً: "مسألة رغبة الولايات المتحدة في التوصل لاتفاق مع الدول هو قرار يعود إليها لكنني أعتقد أن العمل الذي أنجزناه جعل ذلك ممكناً".
ويوم الأحد الماضي، اتفقت الصين واليابان وكوريا الجنوبية على الرد بشكل مشترك على الرسوم الجمركية الأميركية، بعدما عقدت الدول الثلاث أول حوار اقتصادي لها منذ خمس سنوات، سعياً لتسهيل التجارة الإقليمية في إطار استعداد الدول الثلاث، وهي من أكبر المصدرين في القارة الآسيوية، لمواجهة رسوم الرئيس ترامب، علماً أن اليابان وكوريا الجنوبية تسعيان لاستيراد مواد خام لأشباه الموصلات من الصين، وأن الصين مهتمة أيضاً بشراء منتجات الرقائق من اليابان وكوريا الجنوبية.
وبادرت الحكومة الإسرائيلية الثلاثاء، إلى إلغاء جميع الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الواردة من الولايات المتحدة. وجاء في بيان مشترك صدر عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزارة المالية أنّ إسرائيل "قررت إلغاء جميع الرسوم الجمركية التي فرضت سابقاً على المنتجات القادمة من الولايات المتحدة".
ومن مقرها الأنيق على ضفاف بحيرة جنيف، تأمل منظمة التجارة العالمية في تجاوز الصدمات الارتدادية للرسوم الجمركية التي تتعارض نواياها الحمائية مع تفويض التجارة الحرة الخاص بالمنظمة. وعلى مدى ثلاثة عقود عملت المنظمة على الحفاظ على نظام تجاري قائم على القواعد وخال من العقبات كمحرك للاقتصاد العالمي.
وتقول إن متوسط الزيادة السنوية بنسبة 5.8% في التجارة التي تشرف عليها قد خلق فرص عمل ورفع مستويات المعيشة. لكن الآن فإن إصرار الولايات المتحدة على زيادة الرسوم الجمركية يهدد بتهميش المنظمة وقدرتها على تنظيم التجارة وفرض القواعد والتفاوض على قواعد جديدة. وفي ضربة مباشرة للمنظمة، قررت واشنطن بالفعل إيقاف تمويلها مؤقتاً.
وتحدثت رويترز إلى المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نجوزي أوكونجو إيويالا ونحو 10 من المسؤولين والمندوبين الحاليين أو السابقين في منظمة التجارة العالمية، الذين صوروا منظمة قلقة بشأن ما يخبئه المستقبل في عهد ترامب، لكنها تعتزم مواصلة عملها على أمل أن تعود الأوقات الأكثر تنظيما في النهاية. وقالت مديرة المنظمة "(الأعضاء) يقولون لي نعم نحن قلقون، لكننا في نفس الوقت نستخدم النظام، ونريد الاستمرار في استخدامه".

Related News



