
في خطوة حاسمة لمستقبل النظام المالي في لبنان، عيّن مجلس الوزراء، خلال جلسته الأخيرة في القصر الجمهوري، كريم أنطون سعيد حاكماً جديداً لمصرف لبنان، بأكثرية 17 صوتاً من أصل 24، في وقت تواجه البلاد أزمة مالية غير مسبوقة، تتطلب حلولًا جذرية تتجاوز المعالجات التقليدية.
ويترتب على الحاكم الجديد تحديات كبرى، تتعلق بإعادة تصويب المسار المالي، وتحديد مصير ودائع المصارف لدى مصرف لبنان بشفافية، ووضع أسس سليمة لتوزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، كما يشكل التعاون البنّاء مع صندوق النقد الدولي عاملاً أساسياً لجزء التمويلات اللازمة لتحقيق الاستقرار.
وقال النائب إبراهيم منيمنة، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إن حاكم مصرف لبنان يتمتع بصلاحيات واسعة لإدارة المصرف وتسيير أعماله، فهو الممثل الشرعي للبنك المركزي، ويوقّع باسمه جميع الصكوك والعقود والاتفاقيات، كما يجيز إقامة جميع الدعاوى القضائية، ويتخذ الإجراءات التنفيذية أو الاحتياطية التي يراها ضرورية، بما في ذلك التأمينات العقارية، فضلاً عن ذلك، ينظم دوائر المصرف ويحدد مهامها.
وأضاف منيمنة أن هناك حديثًا عن التزام الحاكم الجديد بالإصلاحات المطلوبة المتعلقة بصندوق النقد الدولي، وأن هذا الالتزام تم خلال جلسة مجلس الوزراء، لكن العبرة تبقى في التطبيق. وأوضح أن هناك محطات لاحقة ستُظهر الموقف الحقيقي من الإصلاح المالي ومن ملف الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. مشيراً إلى أن رئيس الجمهورية تطرق، خلال زيارته إلى باريس، إلى قضايا مثل السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف، وهو ما يُعدّ إشارة إيجابية في الاتجاه الصحيح.
وأشار منيمنة إلى أن أحد أسباب الاعتراض على تعيين كريم سعيد هو موقفه بشأن تحويل أموال المودعين إلى دين على الدولة اللبنانية. ومع ذلك، فقد التزم سعيد خلال لقائه مع رئيس الجمهورية بتنفيذ الإصلاحات، لكن في حال حصل العكس، فسيكون ذلك بمثابة تدمير للمودعين.
وشدد منيمنة على أن صندوق النقد الدولي واجه المشكلة نفسها مع الحاكم السابق، حيث لم يكن هناك توافق داخلي لبناني داخل المؤسسات حول الإصلاحات، ما أدى إلى تعثّر المفاوضات وعدم القدرة على إبرام اتفاق، وبالتالي تعطيل العملية بأكملها.
قلق من السياسات النقدية
صرّح العضو المؤسس في رابطة المودعين، رائد أبو حمدان، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، أن عملية تعيين حاكم مصرف لبنان هي استمرار لمعركة مستمرة ضد المودعين وأموالهم والمجتمع ككل. وأضاف أن "اللوبي" المصرفي والعصابات المصرفية شركاء مع السلطة السياسية والقضائية والإعلامية والأمنية، ولم تتوقف حروبهم على المودعين، مشيراً إلى أن تعيين حاكم مصرف لبنان الجديد، كريم سعيد، هو جزء من هذا النهج والممارسة.
وأوضح أبو حمدان أن هناك إصراراً من قبل المصارف، بالتعاون مع بعض الوزراء في الحكومة، على تعيين حاكم لمصرف لبنان يتبع السياسات نفسها التي أدت إلى الانهيار على مدى 30 عامًا، واللجوء إلى محاولات معالجة أثبتت فشلها طوال فترة الأزمة، وكأن لا أحد يريد أن يتعلم من التجارب السابقة.
وأكد أن هذا النهج مستمر، مشددًا على أن الحل العادل للأزمة المالية، وفق رؤية رابطة المودعين، يتطلب استعادة ثقة الناس بالقطاع المصرفي والدولة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تأمين الحقوق بشكل عادل، وأن تحقيق العدالة يفرض على المصارف تحمل مسؤولياتها وخسائرها، تمامًا كما تحمل المجتمع اللبناني الأعباء بشكل غير منصف. وأكد أبو حمدان ضرورة عدم المساس بممتلكات الدولة وأصولها، مع محاسبة جميع المسؤولين عن الانهيار والأزمة الحالية لتفادي تكرارها.
وبالحديث عن الحاكم الجديد، قال إن المصارف اختارت كريم سعيد، المعروف بتبنيه خطة تقوم على تحويل الودائع إلى ديون على الدولة، ما يعني إعفاء المصارف من خسائرها وتحميل المودعين المسؤولية، في حين أن الدولة عاجزة حاليًا عن تغطية مثل هذه الخسائر.
وتابع أبو حمدان بأن الأولوية تكمن في متابعة أداء حاكم مصرف لبنان الجديد والتأكد من التزامه بتوجهات الحكومة كما وردت في بيانها الوزاري. كما لفت إلى أهمية إجراء تدقيق جنائي في حسابات مصرف لبنان والمصارف لتحديد المسؤوليات خلال الفترة الماضية، وإعادة تقييم الخسائر، وإيجاد آلية عادلة لاستعادة الودائع.
وخلص إلى أنّ أي تغيّر سيتم التعامل معه وفق المسؤوليات المحددة، بناءً على تأكيد رئيس الحكومة أن السياسات المتبعة تعكس توجهات الحكومة مجتمعة.
شطب غالبية الودائع
وقال الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إن الحاكم الجديد، ووفقًا لوثيقة صادرة عن جامعة هارفارد، أشار إلى أنه سيتم شطب 85% من الودائع، وفي حال ارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 36 مليار دولار، فسيتم تخفيض نسبة الشطب إلى 65% وفقًا لحسابات محددة.
واضاف أن مسودة الخطة التي سُرّبت عام 2024 بشأن حاكم مصرف لبنان، فقد تضمنت جميعها اقتطاعات على الودائع (Haircut) وتصنيف الودائع بين "مؤهلة" و"غير مؤهلة"، فإن التعويض سيشمل حتى 100 ألف دولار للودائع المؤهلة، و36 ألف دولار لغير المؤهلة. مضيفاً أن جميع الخطط ستتضمن اقتطاعات مع الحرص على حماية صغار المودعين.
كما أن التعويض سيكون طويل الأمد، ما يؤدي إلى فقدان جزء من قيمة الودائع، خاصة في ظل التقلبات في أسعار الصرف العالمية، مما سيؤدي إلى انخفاض قيمتها.
بدوره، أفاد محامي رابطة المودعين، فؤاد الدبس، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، بأن تعيين حاكم مصرف لبنان الجديد، كريم سعيد، هو "أمر مؤسف"، ويعكس مدى قوة المنظومة وتجذّرها في المجتمع، واستعدادها للتضحية بالمجتمع بأسره لحماية ألف شخص فقط.
وأوضح أن هذا الاختيار يدعم المصارف التي تسببت في الانهيار المالي، واستمرت في عدم تقديم أي حلول. كما أشار إلى أن سعيد كان شريكاً لصاحب مصرف تحوم حوله شبهات عديدة، فضلاً عن علاقته برئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، ما يعكس مدى تكتل هذه المنظومة لحماية مصالحها.
أما في ما يتعلق بالدراسات التي قام بها كريم سعيد أو التي موّلها، فقد أظهرت بوضوح توجهاته، وخصوصًا طرحه لفكرة أن الدولة هي التي يجب أن تتحمل مسؤولية الأزمة، وليس المصارف. ووفقًا للدبس، فإن ذلك يُحمّل المواطنين عبئًا ماليًا ليس لهم أي ذنب فيه، إذ إن المصارف تسببت بالأزمة من خلال الاحتيال، وإساءة الأمانة، والهندسات المالية، التي استفاد منها المصرفيون والسياسيون.
وأضاف أن سعيد، كحاكم لمصرف لبنان، لا يؤمن بضرورة تحميل المصارف مسؤولية الأزمة، بل يسعى إلى إبقاء 90% من الودائع ديونًا على الدولة، ما يعني إعفاء المصارف من المسؤولية وإعادة الأموال إليها على فترات طويلة، وهو ما يضر بالمودعين ويقوّض الثقة بالقطاع المصرفي. كما أنه يلقي بعبء الأزمة والانهيار والجرائم المالية على المجتمع، إذ سيتحمل المواطن الضرائب والأعباء الاقتصادية المترتبة على ذلك.

Related News



