Arab
تتفاقم معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة جنوبي لبنان، مع تشديد الإجراءات الأمنية عند مداخله ومخارجه، ولا سيّما بعد بدء التطبيق الفعلي لقرار منع دخول سيارات الأجرة (تاكسي) إلى المخيم أو الخروج منه، إلا بموجب تصاريح خاصة من ثكنة محمد زغيب في مدينة صيدا (مقر القيادة الإقليمية الجنوبية للجيش اللبناني).
بعد أشهر من الاستعدادات لتنفيذه، أُعيد تفعيل القرار مطلع العام الحالي، ما انعكس ازدحاماً خانقاً عند الحواجز، واستنزافاً يومياً للأهالي والطلاب، في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة يعانيها اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات لبنان، فضلاً عن غياب أي بدائل تخفف وطأة هذه القيود على حياتهم اليومية.
يقول اللاجئ الفلسطيني أحمد إبراهيم، المقيم في مخيم عين الحلوة، إنّ الأزمة الاقتصادية في لبنان قلبت حياته رأساً على عقب. ويضيف لـ"العربي الجديد": "تخصصتُ في مجال الهندسة المدنية، لكن مع توقف ورش العمل وانعدام فرص العمل، اضطررت إلى شراء سيارة، والعمل سائقَ أجرة من أجل تأمين لقمة العيش. غير أنّ العمل لم يعد سهلاً، ليس بسبب الظروف الاقتصادية فحسب، إنّما نتيجة الحواجز المفروضة عند مداخل المخيم ومخارجه، حتى صارت عملية الدخول والخروج معاناة يومية تستغرق أحياناً ساعة ونصف الساعة. فالازدحام خانق عند الحواجز، حيث نقضي ساعات طويلة قبل المرور، وكل هذا الوقت يُعدّ هدراً لمصدر رزقنا".
ويوضح إبراهيم أنّ الزحمة تتفاقم عند ساعات الصباح، خصوصاً مع حركة نقل الطلاب إلى مدارسهم، إذ غالباً ما يضطر إلى القيادة بعكس السير، من أجل إيصال الطلاب قبل قرع الجرس.
لا تتوقف المعاناة عند سائقي سيارات الأجرة، بل تمتد إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فإذا أراد أحدهم إدخال براد أو دلو طلاء أو حتى بلاط، تُطلب منه فواتير وأوراق، وقد يُسمح له بذلك أو لا يُسمح. كل شيء يحتاج إلى إذن، وكل إذن يتحوّل إلى قصة طويلة على الحاجز، بحسب قول إبراهيم. ويختم بالقول: "هذا الواقع يستنزفنا نفسياً واقتصادياً، فقد صارت حياتنا رهينة الحواجز، والأهالي فقدوا القدرة على التحمّل. لقد طفح الكيل فعلاً".
ويلفت إسماعيل، وهو سائق تاكسي في مخيم عين الحلوة، إلى أنّ "قرار منع دخول سيارات الأجرة إلى المخيم والخروج منه، شكّل عبئاً كبيراً على الأهالي والسائقين. وقد باشرت الجهات المعنية في تنفيذه منذ يوليو/ تموز الماضي، لكن التطبيق الفعلي بدأ مطلع العام الحالي، ما تسبّب بازدحام خانق ومعاناة يومية داخل المخيم". ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ العمل بات مشروطاً بالحصول على تصاريح معقدة، ما يعني أن أي سائق يريد العمل على خط عين الحلوة، عليه التوجّه إلى ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صيدا للحصول على تصريح. ومن لا يحمل تصريحاً يُمنع من الدخول أو الخروج، ما يجعل التنقل والعمل شبه مستحيل".
ويؤكد إسماعيل أنّ السائقين ليسوا ضد مسألة التنظيم، لكنّهم يطالبون بمراعاة ظروفهم المعيشية الصعبة، وواقعهم الاجتماعي والاقتصادي، مشيراً إلى أنّ "الأوضاع داخل المخيمات صعبة جداً، حيث يعيش اللاجئون حياتهم يوماً بيوم".
ويأسف كون الإجراءات تستنزف الوقت والرزق، ويقول: "تستغرق عملية الخروج من المخيم نصف ساعة، وكذلك عملية الدخول. وإذا أردت التوجّه إلى صيدا، يتحوّل الأمر إلى عائق حقيقي أمام العمل. الوقت يضيع، والرزق يتآكل".
وحول آلية التصاريح، يقول إسماعيل: "نُجبَر على تقديم صورة عن دفتر السيارة (رخصة سير)، والهوية، ودفتر السواقة (رخصة قيادة)، وصورة شخصية، ثم ننتظر أياماً أو أحياناً أكثر من أسبوع. نذهب إلى الحاجز، فيُقال لنا إنّ الاسم لم يصل بعد، رغم أنّ المعاملة مكتملة. وهذا التصريح يجب تجديده كل ستة أشهر، ما يعني معاناة متكررة".
ويشير إلى أن إدخال أي غرض منزلي بسيط، مثل الغسالة أو الطلاء، يحتاج إلى فواتير وتفتيش وفترة انتظار طويلة عند الحاجز، قد تستغرق أحياناً ربع ساعة أو أكثر. ويضيف إسماعيل: "قبل أيام، قضيتُ ساعةً كاملة صعوداً ونزولاً، فقط لأقلّ راكباً من مدينة صيدا، وكانت الأجرة 150 ألف ليرة لبنانية (أقلّ من دولارين أميركيين)، فيما خسرتُ الوقت والوقود. هذه حال جميع السائقين. مع العلم أنّني درستُ تخصص الهندسة المدنية، لكنّني اضطررتُ إلى العمل سائق أجرة، بسبب الأزمة الاقتصادية في لبنان وعدم توفر فرص العمل". ويختم بالقول: "طلباتنا بسيطة جداً، كل ما نرجوه تسهيلات حقيقية وحلول تراعي ظروفنا المعيشية وكرامتنا الإنسانية، ونتطلّع إلى تدخل القيادة السياسية الفلسطينية، كي لا يتفاقم شعورنا بأنّنا شعب متروك من دون أي مسؤول".
