شتاء الجزر التونسية... عزلة مضاعفة وهشاشة يومية
Arab
1 hour ago
share
يعيد شتاء الجزر التونسية النقاش في شأن عيش سكانها على هامش السياسات العمومية، وتحوّل التقلبات الجوية إلى عامل يضاعف العزلة والهشاشة. وفي مقدمة هذه الجزر، قرقنة، التابعة لمحافظة صفاقس (جنوب شرق)، التي تتضرر كثيراً من اضطراب الملاحة البحرية خلال فصل الشتاء، ما ينعكس مباشرة على حياة آلاف من سكانها. ويعتمد سكان قرقنة في شكل شبه كلي على النقل البحري للانتقال إلى البر الرئيسي، سواء لقضاء احتياجاتهم اليومية أو للعلاج أو الدراسة أو العمل، لكن الرياح القوية وارتفاع الأمواج خلال أشهر الشتاء بين ديسمبر/ كانون الأول وفبراير/ شباط تعلّق الرحلات البحرية لساعات أو حتى لأيام متتالية، ما يجعل الجزيرة في عزلة شبه تامة. وجزيرة قرقنة هي أرخبيل يبعد سبعة كيلومترات عن محافظة صفاقس، ويمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على مسافة 40 كيلومتراً، ولا يتجاوز عرضه خمسة كيلومترات، وبمساحة 150 كيلومتراً مربعاً. وتضم جزيرتين رئيسيتين و12 جزيرة صغيرة، والجزيرتان المأهولتان تقعان في الشرق والغرب فقط. ويُعتبر الصيد النشاط الاقتصادي الرئيسي في أرخبيل قرقنة، ويمارس على نطاق واسع وفق التقاليد القديمة، علماً أن الجزيرة تملك أكثر من ألفي قارب صيد تمثل نحو ثلثي أسطول الصيد في ولاية صفاقس. ويعد "اللود" و"العوامة" وسيلتي الربط الوحيدتين بين الجزيرة والبر، ويؤمنان يومياً ست رحلات لنقل المسافرين والعربات نحو البر الرئيسي في مدينة صفاقس. ويقول هشام خشارم، وهو أحد أبناء الجزيرة، لـ"العربي الجديد": "لا نخاف من البحر بل من انقطاعه. عندما تتوقف السفن نشعر بأننا منسيون، وفي حالات عدة، تسجل الجزيرة نقصاً في مواد أساسية وأدوية بسبب تعطل التزود، ما يزيد القلق وعدم الأمان". ويعتمد جزء كبير من سكان قرقنة على الصيد البحري والأنشطة المرتبطة به، وهي قطاعات تتأثر مباشرة بالاضطرابات المناخية، فمع اشتداد الرياح يتوقف الصيد وتتراجع المداخيل من دون وجود آليات كافية لتعويض الخسائر. وهكذا تتعمّق الهشاشة الاقتصادية في الشتاء حيث تتراجع الحركة التجارية والسياحية مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة النفاذ إلى الأسواق. ورغم أن هذه الأزمة تتكرر كل شتاء، يؤكد سكان قرقنة أن الحلول المطروحة لا تزال ظرفية، وتقتصر غالباً على بيانات تطمين أو وعود بتعزيز الأسطول البحري من دون معالجة جذرية عبر تحسين جاهزية النقل البحري، وتوفير سفن أكثر ملاءمة للظروف الجوية الصعبة، ووضع خطط للطوارئ الصحية وأخرى لوجستية لدعم الاقتصاد المحلي خلال فترات التوقف القسري. ويقول الهادي بالحاج، المنسق العام للجامعة التونسية للبيئة والتنمية، لـ"العربي الجديد": "تكشف معاناة جزيرة قرقنة في الشتاء فجوة تنموية أعمق تعيشها الجزر التونسية، حيث تتحوّل الطبيعة إلى عامل يكشف ضعف السياسات العمومية الموجهة لهذه المناطق". يضيف: "تعمّقت هشاشة سكان الجزر التونسية في السنوات الأخيرة تحت تأثير التغيرات المناخية التي أثّرت على الأنظمة الإيكولوجية لهذه المناطق الرخوة وحركة البحر الذي يرتفع مستواه في بعض المناطق، كما أوجدت عوامل طبيعية غير مألوفة على غرار العواصف والجفاف". ويذكر أيضاً أن "السياسات العمومية للدولة لا تأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية، ولا تخصص ميزانيات لتخفيف وطأتها، ما يجعل أهالي الجزر التونسية يجددون المطالب بتطبيق كل بنود قانون الجزر على مناطقهم التي تتميّز بخصوصيات طبيعية تحدّ من حركة سكانها ما يؤثر على عيش المواطنين وقدرتهم على النفاذ إلى الخدمات العامة". ويقول الناشط المدني الهادي بالحاج لـ"العربي الجديد": "من المهم تطبيق البنود الكاملة لقانون الجزر للحدّ من تداعيات العزل التي تعاني منها المنطقة والأهالي الذين تُحدّد رحلات اللود نسق تحركاتهم اليومية". ويشير إلى أن "المجتمع المدني في جزر تونس يعمل منذ سنوات لإقرار قانون خاص يمنح الجزر امتيازات تنموية تسمح بتسهيل ربطها بالمناطق البرية في ظل توقع استمرار تداعيات التقلبات المناخية في المنطقة المتوسطية، وهو لم يُوفق منذ عام 2012 في إقناع البرلمان بالمصادقة على قانون الجزر، لكنه يستمر في محاولة إيجاد حلول عملية تفك العزلة الاجبارية عن هذه المناطق". ويؤكد بالحاج أن "إقرار تطبيق البنود الكاملة للقانون سيكون ثمرة عمل مشترك بين منظمات مدنية في جزيرتي قرقنة وجربة، وسيُساعد في فكّ عزلة الجزيرة وتوفير الخدمات الأساسية للنقل ووسائل التدخل المناسبة في الحالات الطارئة، ومن بينها توفير طائرة عمودية وسيارة إسعاف عائمة". ويوضح بالحاج أن "المقصود بقانون الجزر هو ما يشبه العرف المطبق عالمياً، والذي يوظف قاعدة التمييز الإيجابي لمنح سكان الجزر بعض الامتيازات خصوصاً في جباية الضرائب كي تعوض نسبياً ارتفاع تكلفة العيش في هذه الجزر نتيجة ارتفاع تكلفة نقل البضائع مقارنة بسكان اليابسة".  وتفرض اتفاقية الأمم المتحدة للقانون البحري التي أبرمت عام 1982 معاملة الجزر نفس معاملة الأقاليم البرية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows