مهاجرون عراقيون يصارعون لتوريث الهوية لأبنائهم
Arab
1 hour ago
share
ليست مسألة عاطفية عابرة محاولة مهاجرين عراقيين إبقاء خيوط بلادهم حيّة داخل منازلهم، وتوريث حب الوطن وممارسة التقاليد والعادات إذ يعتبرها كثيرون مهمة شاقة تتطلب وعياً وصبراً في مواجهة واقع بعيد عن ثقافة مجتمعهم بلغاته وقيمه وإيقاعه المختلف، ولا يتوقف الحنين عند استعادة صور الأزقة والبيوت الأولى، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية والطعام والكلمات والطقوس الصغيرة. "نصنع العراق داخل البيت". بهذه العبارة تختصر سارة الجميلي (42 عاماً)، التي تقيم في أستراليا منذ أكثر من 20 سنة، طريقة حفاظها مع زوجها وأفراد الأسرة على الارتباط بالوطن. تقول سارة، وهي أم لبنتين وولدين في الـ14 والـ19 من العمر، لـ"العربي الجديد": "لم يكن القرار الذي اتخذته مع زوجي بالحفاظ على هوية أبنائنا عفوياً. جلسنا منذ البداية وخططنا لكل شيء. عرفنا أن أولادنا سيكبرون هنا، وأن المدرسة والشارع والإعلام سيصنعون جزءاً كبيراً من شخصياتهم، لذا قررنا أن يكون البيت مساحة عراقية خالصة". تتحدث سارة بإسهاب عن تفاصيل يومية تبدو بسيطة، لكنها جوهرية بالنسبة لها على صعيد التكلم باللهجة العراقية فقط داخل المنزل، وتعليم الأبناء الأغاني الشعبية، والاحتفال بالمناسبات الدينية والاجتماعية بالطريقة العراقية، وحتى إعداد الطعام التقليدي بانتظام". وتقول: "نحكي لأولادنا عن بغداد، عن طفولتنا، عن أجدادهم الذين توفوا ولم يروهم. ونحن لا نزور العراق دورياً، بل كل عامين او ثلاثة، لأن ظروف عملنا وارتباطات الدراسة تمنع ذلك. الحقيقة أننا نخاف أن يكبر أبناؤنا وهم يشعرون بأن العراق فكرة غامضة وأن لا وطن حقيقي لهم، لذا نزرع فيهم الحب والانتماء". بدورها، اختارت عائلة ليلى حسين (52 عاماً) التي تقيم في الولايات المتحدة، أن تجعل الذاكرة مرئية في تفاصيل المكان، وتتحدث لـ"العربي الجديد" عن أن الدور الأكبر في هذا المسار كان لزوجها الذي ينتمي إلى عائلة مزارعين في البصرة، "ما يعني أن الأرض جزء من روحه. ورغم أنه يعيش في الولايات المتحدة منذ نحو ثلاثة عقود، لكن ذكريات البصرة لم تغادره يوماً". توضح أن زوجها أصرّ على أن ينشأ أولادهم الأربعة، وهم ولدان وابنتان، وهم يشعرون بانتمائهم إلى وطنهم الأم، و"حتى تصميم البيت لم يكن عادياً إذ اختار ديكوراً يحمل لمسات تراثية وصور نخيل وقطعاً قديمة وسجاداً شرقياً. أراد أن يشعر الأولاد أن هذا المكان يشبه جذورهم". وتجد ليلى أن "الفارق بين التقاليد الغربية والعربية واضح في بنية الأسرة نفسها. الفردية عالية في الولايات المتحدة، أما بالنسبة لنا فالعائلة هي الأساس، وهذا ما نحاول أن ننقله إلى أولادنا، ونحن نعلم أن مهمتنا صعبة جداً". في بيوت المهاجرين العراقيين، ليست اللهجة المحلية مجرد وسيلة تواصل بين أفراد الأسرة، بل فعل لمقاومة للنسيان. وبينما راهن زوج ليلى على تثبيت الهوية عبر الفضاء المنزلي ورمزيته، اختارت مرام بطرس وزوجها اللذان يعيشان في ألمانيا، مساراً أكثر مباشرة لطفليهما من أجل مواجهة الوطن نفسه باعتباره درساً حيّاً لا تنقله الصور أو الحكايات وحدها. وتقول مرام (35 عاماً) لـ"العربي الجديد": "نصرّ على زيارة العراق كل صيف تقريباً. نريد أن يرى طفلانا الوطن، وليس أن يسمعا عنه فقط". وتشرح أن هذه الزيارات، رغم ما يرافقها من تعب وتنظيم معقد، تحدث فارقاً واضحاً في وعي طفليها، "فهما تعلما كيف يتحدثان مع أقاربهما، وكيف يحترمان العادات، وكيف يشعران بالانتماء". تضيف: "ليس العراق مثالياً، لكن رؤيته على حقيقته أهم من صورة رومانسية أو مشوّهة، والتواصل المستمر مع الأقارب والمعارف يعزز هذا الرابط. لا نريد أن يشعر طفلانا بأن لهما جذوراً مقطوعة". تُقال كلمات عن قصد، وتشغّل أغانٍ قديمة عمداً، وتمارس طقوس صغيرة بإصرار، وكلها محاولات لنقل ملامح ثقافة كاملة إلى أبناء وُلد معظمهم خارج حدود الوطن، ولم يعرفوه إلا من حكايات. أفعال نفذها والدا أحمد إسماعيل (28 عاماً) الذي وُلد في هولندا، ثم نقلها بنفسه إلى طفلتيه، وهما في الرابعة والخامسة من العمر. ويقول لـ"العربي الجديد: "أفهم الآن لماذا كان والداي يفعلان هذه الأمور معي. الهوية لا تُورَّث تلقائياً، بل تُزرع وتُحمى. تمنحنا التقاليد العراقية شعوراً بالثبات في عالم سريع التغيّر، ونحن لا نرفض المجتمعات التي نعيش فيها، لكننا نرفض أن نذوب بالكامل فيها".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows