مستشفى حمد... عودة تُحيي آمال آلاف المصابين في غزة
Arab
1 hour ago
share
يشكل استئناف مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية عمله في شمالي قطاع غزة، جسر أمان لآلاف المرضى والمصابين، وقراراً إنسانياً في ظروف استثنائية، بعدما بلغت قيمة أضراره نحو 4.5 ملايين دولار. عاد الأمل إلى آلاف المرضى والمصابين في قطاع غزة ممّن فقدوا حقهم في السمع والحركة والاندماج في المجتمع، عقب استئناف مستشفى الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية، المموّل من صندوق قطر للتنمية، العمل من جديد بمقرّه الرئيسي في شمالي القطاع، وذلك بعد توقف قسري فرضه هجوم جيش الاحتلال الإسرائيلي. وقد شكّلت العودة أواخر العام 2025 بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة ومُصابي الحرب وعائلاتهم بارقة أمل بتجدّد حقيقي للحياة. وكانت حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت عامَين أدّت إلى تدمير واسع في المنظومة الصحية بالقطاع، ونزوح قسري لفتراتٍ طويلة، وتشتّت المرضى بين وسط القطاع وجنوبه، إذ بقي المصابون ومبتورو الأطراف والأطفال الذي فقدوا السمع، وأولئك الذين تعرّضوا لإصابات في الدماغ، من دون أي متابعة أو تأهيل أو أفق. ويُقدّم مستشفى حمد الذي يقع غربي مدينة غزة، ثلاث خدمات أساسية تشمل التأهيل الطبي وخدمة السمعيات والأطراف الصناعية، لذلك فإنّ انقطاعه عن العمل لأشهر عدة ترك أثراً سلبياً في نفوس المرضى والمصابين. داخل غرفة التأهيل والتدريب في قسم الأطراف الصناعية، كانت الابتسامة ترتسم على ملامح الفلسطيني بسام عمر شاهين (37 عاماً) بعدما تمكن من تركيب طرف صناعي لقدمه اليُسرى على أيدي أطباء متخصّصين، بعد عامين من المعاناة "بلا طرف". يُخبر شاهين "العربي الجديد" تفاصيل إصابته التي تعرّض لها في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد استهداف نفّذته طائرات الاحتلال أمام منزله في حي الصفطاوي شمال غزة، حينما كان يهمّ برفقة والديه للنزوح إلى جنوب القطاع، ما أدى إلى استشهاد والدَيه وإصابته إصابة خطيرة، تسبّبت ببتر ساقه اليُسرى من فوق الركبة، وتهشُّم ثلاثة أصابع من يده اليُسرى، ويقول: "لم أتمكن من تركيب طرف صناعي منذ إصابتي، واستمرت معاناتي طيلة عامين. كانت الحياة صعبة في الخيام أثناء النزوح، وكُنت أعتمد على عكّاز خشبي، كما أن النزوح المتكرر عطّل علاجي التأهيلي، وأجّل تركيب الطرف الصناعي لحين عودة مستشفى حمد إلى العمل"، ويضيف شاهين: "أشعر بأن الحياة عادت إليّ من جديد. لا أعلم كيف سيستقبلني أطفالي أثناء عودتي بالطرف الصناعي لأول مرّة. هذه لحظات جميلة لا تعوّض". ويؤكد رئيس قسم الأطراف الصناعية في مستشفى حمد، الطبيب أحمد العبسي، أن "القسم يتحمل مسؤولية كبيرة، إذ إنّ عمله لا يقتصر على تركيب الأجهزة فحسب، بل على إعادة بناء حياة كاملة للمرضى الذين فقدوا جزءاً من أجسادهم. فكل طرف صناعي يمثل القدرة على الحركة والاستقلالية والاندماج بالمجتمع"، ويوضح لـ"العربي الجديد" أن القسم استأنف تقديم خدماته في مارس/آذار 2025 بعد ترميم واسع لأجزاء كبيرة من المستشفى، تضرّرت خلال الحرب، وجرى استقبال عدد كبير من حالات البتر، إلى أن توقفت مرّة أخرى في سبتمبر/أيلول 2025 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي الأخير. ووفق إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، سُجّلت نحو ستّ آلاف حالة بتر في القطاع، بينها 1,500 حالة تعود لأطفال و700 حالة لنساء. ويشرح العبسي خطوات تركيب الأطراف التي تبدأ بتقييم شامل، يتبعها برنامج تأهيل ما قبل تركيب الطرف، يشمل علاجاً طبيعياً ووظيفياً ودعماً نفسياً. بعدها يجري تركيب الطرف الصناعي، ثم التدريب على استخدامه، لضمان قدرة المريض على الاعتماد على نفسه". ويذكر أن "القسم تمكّن من تركيب 130 طرفاً صناعياً، وهو إنجاز مهم رغم الإمكانيات المحدودة وشحّ المواد، لكنّ المخزون المتبقي من الأطراف الصناعية يُراوح بين 10 إلى 15 طرفاً فقط، وهو بالكاد يكفي لمواصلة العمل أكثر من شهر. وهذا يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة إلينا، وقائمة انتظار طويلة للمرضى الجُدد". وينبّه العبسي إلى أن "القسم يواجه تحديات كبيرة بسبب نقص المواد الأساسية، وفي حال غياب الصيانة المستمرة، قد يفقد المريض القدرة على استخدام الطرف الذي جرى تركيبه. لذلك؛ نحرص على تأمين الصيانة والمتابعة لكل الحالات، لكن ذلك مرتبط بالمواد المتوفرة". نزح الطفل مُعين سامح المصري (8 أعوام) من بيت حانون إلى مدرسة إيواء في شارع النصر غربي مدينة غزة. وقد فقد سمعه بالكامل وهو في عمر أربعة أعوام، بعد حادث سير أدى إلى كسر في الجمجمة، تروي والدته سماح رحلة العلاج الطويلة بين غزة والضفة الغربية، التي انتهت بزراعة قوقعة الأذن في مصر قبل اندلاع الحرب بستة أشهر. لكن الحرب جاءت لتضعه أمام تحدٍ قاسٍ. وتقول والدته لـ"العربي الجديد": "كل يوم كنتُ بحاجة لبطارية زنك. وعندما تنفد البطارية، يبقى مُعين أياماً من دون سمّاعة، ما يثير عصبيّته، وينهال عليّ بالصراخ، طالباً أن يسمع"، وتضيف: "السمع بالنسبة لمُعين هو بمثابة حياة. وبالتالي، فإنّ غياب الجهاز يعني توقف تعلّمه وتواصله واستقراره النفسي. غير أن انكسار البطاريات، وتلف السلك، والخوف من الشحن، كلها عوامل أجبرته على معاناة شهرين كاملين من دون جهاز سمع. لكن استئناف مستشفى حمد لعمله، منح مُعين فرصة الحصول على بطاريات ومتابعة طبية، ما عزّز عودة الاستقرار لحياته". وتختم المصري بالقول: "نريد أجهزة وقطع غيار وبطاريات شحن. السمّاعة ليست كماليات، إنما هي حياة لطفلي ولكل فاقدي السمع، للتواصل مع المجتمع الخارجي". وتصف مشرفة متخصّصي السمع في قسم السمع والتوازن بالمستشفى، سهى الهيثم، حجم الدمار الذي لحق بالقسم، وتقول لـ"العربي الجديد": "تضرّرت وحدة التشخيص بالكامل. فقدنا أجهزة قياس السمع، وأجهزة فحص استجابة جذع الدماغ السمعية (ABR)، وأجهزة الزراعة، وحتى ملفات المرضى"، وتضيف: "جرى استصلاح بعض الأجهزة الخاصة بفحص السمع، لكنها لا تكفي لحجم الاحتياجات الكبير للمرضى، لذلك نواجه صعوبات في العمل، إذ أننا نُجري الفحوصات لكل الحالات على جهاز واحد فقط، إضافة إلى عدم توفر سمّاعات كافية للأطفال الذين خضعوا لزراعة القوقعة، إذ إنّ الموجود يُعدّ جزءاً يسيراً مقابل الاحتياجات الضخمة"، مشيرةً إلى أن القسم يستقبل نحو 35 حالة يومياً. وتؤكد الهيثم أنّ "عودة المستشفى تشكّل جسر أمان لفاقدي السمع وزارعي القوقعة من فئة الأطفال، بعد انقطاع طويل أثّر عليهم نفسياً واجتماعياً. لكن التحديات ما زالت كبيرة، أبرزها نقص السمّاعات وبطاريات الزنك، ووقف عمليات زراعة القوقعة بالكامل، نظراً لعدم وجود كوادر طبية وزرعات داخلية لازمة للعمليات"، كاشفةً أنه "جرى تحضير 50 طفلاً لإجراء عمليات زراعة قوقعة الأذن في الأردن، بالتعاون مع مؤسّسات شريكة، ونحن ننتظر موعد سفرهم". في غرفة مخصّصة للتدريب الطبي داخل المستشفى، جلس أمير النونو (16 عاماً) على كرسي مُتحرك، إذ كان يتلقى التعليمات من أحد المتخصصين للقيام بتدريبات تُعيد إليه القدرة على الحركة. وكان أمير قد أُصيب بطلقة نارية في الرأس عقب استهداف إسرائيلي أثناء سيره في حيّ الشيخ رضوان، ما أدّى إلى كسور في الجمجمة أثّرت على الجانب الأيسر من جسده، وجعلته غير قادر على الحركة، بحسب قوله لـ"العربي الجديد"، ويضيف: "منذ خمسة أشهر وأنا أتلقى جلسات علاج طبيعي، وأثناء النزوح توجهت إلى فرع مستشفى حمد في المنطقة الوسطى (غرب الزوايدة). وبعد عودتي إلى شمال القطاع واصلتُ الالتحاق بجلسات التأهيل، وتحسّن وضعي كثيراً، خصوصاً أنني لم أكن أستطيع الحركة على نحوٍ كامل". ويؤكد رئيس قسم التأهيل الطبي في مستشفى حمد، الطبيب إبراهيم العويطي، أن المستشفى يقدم تأهيلاً متكاملاً لإصابات الدماغ، والحبل الشوكي، والجلطات، والكسور المعقدة. ويقول لـ"العربي الجديد": "لا نعالج الإصابة فحسب، بل نُعيد بناء الإنسان نفسياً وجسدياً ليصبح منتجاً". ويوضح أن القسم يُقدّم خدمات التأهيل الطبي المتكامل على أيدي فريق متعدّد التخصصات، بدءاً من الخدمة الطبية التخصصية والتمريضية والعلاج الطبيعي والوظيفي، إلى التخاطب ومشاكل البلع والدعم النفسي والاجتماعي والتغذية". ويشير العويطي إلى صعوبات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر والأجهزة والأدوية التخصصية، خصوصاً أدوية التشنج والأعصاب. ويلفت إلى أن القدرة الاستيعابية لقسم المبيت محدودة، إذ يحتوي القسم على 20 سريراً فقط، فيما يُقدم خدمات نهارية لـ14 سريراً. ويؤكد أن الحرب ضاعفت أعداد المصابين، ما يزيد الطلب على الخدمات التأهيلية، "ونحن نسعى إلى زيادة الخدمات التأهيلية وتوسيعها، وزيادة الكوادر والأسرّة، وتطوير الكادر، وتوفير أجهزة تأهيلية حديثة لزيادة أعداد المستفيدين". ويقول مدير مستشفى الشيخ حمد، أحمد نعيم، إنّ عودة المستشفى إلى العمل في شمالي قطاع غزة لم يكن قراراً إدارياً فحسب، إنما قرار إنساني في ظروف استثنائية، ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ المستشفى الذي افتُتح عام 2019 بتمويل من صندوق قطر للتنمية، يُقدّم ثلاث خدمات رئيسية تشمل التأهيل الطبي والسمعيات والأطراف الصناعية، وهي خدمات نوعية لا تتوفر إلّا في نطاق محدود جداً داخل القطاع، مشيراً إلى أن المستشفى تعرض لاستهداف مباشر تسبّب بدمار كبير في البنية التحتية، إذ بلغت قيمة الأضرار نحو 4.5 ملايين دولار أميركي. ويؤكد نعيم أنّ "المستشفى يواجه تحديات كبيرة تتمثل بوقوعه في منطقة قريبة من مناطق التوغل الإسرائيلي، ما يشكل خطراً حقيقياً على المرضى والكوادر الطبية، كما يواجه أزمات لوجستية خانقة تتمثل بتدمير شبكات المياه والكهرباء، علماً أنّنا نعتمد كلياً على المولّدات التي تحتاج باستمرار إلى صيانة وقطع غيار ووقود". أما على صعيد الأدوية والمستهلكات الطبية، فيؤكد نعيم أن المستشفى يعمل اليوم بنظام إدارة أزمة، "إذ نغطي نحو 60% فقط من احتياجاتنا، بينما يصل العجز إلى 40%، وبعض أصناف الطوارئ رصيدها صفر"، ويضيف أن التضييق على المعابر ووقف عمل الشركات الطبية جعل مسألة توفير المستلزمات تحدياً يومياً، ما اضطر الإدارة إلى اعتماد سياسة الأولويات في استقبال المرضى. ويشير إلى أنّ المستشفى يستقبل حالياً نحو 300 مريض يومياً، مقارنةً بـ800 مريض قبل الحرب. ويعزو هذا التراجع إلى تدمير أجزاء من المستشفى، وفقدان أجهزة، وتدمير البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المواصلات التي تعيق وصول المرضى. ويشدد نعيم على أن أهمية المستشفى لا تكمن في عدد المرضى فحسب، بل في طبيعة الخدمات، ويقول: "في مجال الأطراف الصناعية، لا يوجد في غزة سوى مستشفى حمد ومركز تابع لبلدية غزة. أما في التأهيل فالخيارات محدودة جداً. وفي السمعيات، خرجت معظم الشركات والمراكز عن الخدمة، بينما ينفرد مستشفى حمد بخدمات زراعة القوقعة"، ويشير إلى أن المستشفى افتتح فرعاً جديداً قبل أشهر عدّة في منطقة غرب الزوايدة وسط القطاع، إذ يُقدّم الخدمات الطبية الثلاث، ما عدا خدمة المبيت، ويستقبل يومياً ما بين 200 إلى 250 مريضاً، وقد جرى إنشاء ورشة خاصة بالأطراف الصناعية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows