Arab
"الفقر يجعل الأحداث البسيطة معقّدة ومؤلمة.. الفقر يفقد الإنسان هيبته واحترامه.. الفقر يجعل الحياة لا تُطاق". إن كانت هذه نظرة دوستويفسكي إلى الفقر، فلا يسعني إلا أن أضيف أنه من أكثر التجارب اللاأخلاقية المتاحة للإنسان أن يعيشها. ورغمًا عن أنف المدافعين عن "قصص النجاح"، فهو ليس بمحفّز ولا دافع، بل إنه وبلا أدنى شكّ المقبرة الأولى للإنسان قبل أن يحرّره تابوته من حياة بائسة أمضاها بأكملها وهو يحاول مصارعة الحيتان ومحاربة تيّار اللاعدل الجارف. واليوم، تؤكد أحدث بيانات البنك الدولي أن هذا التيار جرف بالفعل نحو 700 مليون شخص إلى دائرة الفقر المدقع، حيث أصبح العيش على أقل من 2.15 دولار في اليوم هو "المقبرة" اليومية لهؤلاء.
لا ريب أن الرأسمالية تعيش حاليًا مرحلتها الأخيرة، مرحلتها التي لم نجد التنبّه إليها إلا مع وصول الوحش البرتقالي إلى أقسى درجات حكمه وقاحة، ناسفًا بذلك جميع أوهام الديمقراطية البرلمانية. حينها لاحظنا جميعًا أن لينين قد كان على حق عندما أكّد أن الإمبريالية هي آخر مراحل الرأسمالية، وأن الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها هي كبح جموح الأثرياء. تمامًا، كعنوان تقرير منظمة أوكسفام الحالم: "مقاومة حكم الأثرياء: حماية الحرية من سطوة أصحاب المليارات".
ربما تأخّر التقرير قليلاً، ليس في فحواه، بل بنبرته "المقاومة". فهو يذكّرنا "الآن" بأن ثروات أغنى خمسة رجال في العالم تضاعفت منذ عام 2020، بينما خسر أفقر 5 مليارات شخص (حوالي 60% من سكان العالم) جزءًا من قوتهم الشرائية بسبب التضخم والفقر. وأن العالم قد يشهد ظهور أول تريليونير، في حين أن القضاء على الفقر العالمي سيستغرق -بالوتيرة الحالية- أكثر من 229 عامًا. أول تريليونير، مقابل 5 مليارات شخص فقدوا قوّتهم الشرائية. 229 عامًا لإنهاء الفقر العالمي، في حين أن حياة كاملة لن تكفي إيلون ماسك -المرشّح للقب- لصرف مجموع ثروته. لتتجسد المرارة أكثر فأكثر في تقرير منظمة "الفاو" (FAO)، الذي كشف أن تضخم أسعار الغذاء في الدول النامية ظل متصلبًا عند مستويات تتجاوز 30%، ما دفع بـ673 مليون إنسان إلى هاوية الجوع المزمن، في حين ترصد تقارير موئل الأمم المتحدة (UN-Habitat) لعام 2026 أن تكلفة السكن أصبحت الأداة الكبرى للاستلاب؛ حيث تلتهم الإيجارات الآن ما يصل إلى 80% من دخل الأسر الفقيرة، ما جعل 1.6 مليار شخص يعيشون بلا سقف يحميهم من وحشية النظام.
ولن يكون من المفاجئ أن تكون فجوة الوظائف العالمية قد وصلت إلى 450 مليون شخص، وهم الأشخاص الذين يرغبون في العمل ولكنهم لا يجدون فرصة، وفقًا لمنظمة العمل الدولية (ILO)، ناهيكم عن تآكل الأجور، فبالرغم من نمو الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، إلا أن الأجور الحقيقية (بعد احتساب التضخم) انخفضت بنسبة 4.5% عالميًا، ما يعني أن "العامل" أصبح أفقر رغم استمراره في العمل.
الفقر الذي تأتي به الحروب على طبق من دم، الفقر الذي يكتب علينا كالأقدار الملوّثة بعبثية الحظ العاثر، والفقر الذي يأتينا فجأة بعد أن تقضي أزمة اقتصادية على جنى العمر، والفقر الذي يتسلّل إلينا بثقب مرض مفاجئ يحوّلنا إلى كائنات "غير منتجة"، والفقر الذي نرثه من أسلافنا الذين تعاملوا مع الحياة ببساطة ما ظنّوه كرامة، في حين أفنى غيرهم أوقاتهم في صنع طريق الثروة عبر النصب و"التذاكي". والفقر الذي يتعلّق بقمصاننا لأننا نرفض أن نمتثل لمسرحيات التبذير، والفقر الذي يجعلنا كل ليلة نعيش قلق الإيجار والطعام والقرار. والفقر الذي يحكم علينا بالصمت كي لا نفقد مصدر رزقنا. الفقر.. ذلك العيب الذي لا نستطيع أن نصفه بالعيب، بينما لا يملأ "عيبهم" جيوبهم فقط بل وجميع الفضاءات، والفقر الذي لا يجعلنا نتحد كي نحوّله لثورة. هذا الفقر ليس "آفة" تختزلها أرقام طنانة، بل شرط من شروط استمرار النظام العالمي العفن الحالي.
لذا وبعيدًا عن الشعارات التي لم تسعف أحدًا، لنعِ أن الرأسمالية لا تخشى جوعنا، بل وعينا بهذا الجوع قضيةً طبقيةً. ولنبق في أذهاننا أن الفقر ليس قدرًا شخصيًا نخجل منه، بل هو العيب الذي نشترك فيه جميعًا، وعار الحياة الذي لا مفر للحر منه.
Related News
البطاطا جزء مهم من نظامك الغذائي الصحي
aawsat
12 minutes ago
رادوكانو تنفصل عن مدربها رويج
aawsat
13 minutes ago
مجدي مساعد «غوميز»: نقطة الاتحاد إيجابية للفتح
aawsat
13 minutes ago