Arab
في موازاة الكثير من التحديات التي تواجهها باكستان على مستوى السياسة الخارجية، وأبرزها الصراع المستمر مع أفغانستان والهند، والتوقيع على ميثاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام الذي أثار الكثير من الأسئلة والشكوك حول دور إسلام أباد، بدأت الأزمة الداخلية بين حزب حركة الإنصاف بزعامة رئيس الوزراء السابق عمران خان، وبين الحكومة والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، تخرج من الأطر المألوفة، وتلامس القضايا السيادية والمرتبطة بالأمن الوطني. فقد وقفت حكومة إقليم خيبربختونخوا التي يتزعمها حزب خان في وجه المؤسسة العسكرية في ما يخص العمليات العسكرية في مناطق الشمال الغربي من البلاد ضد طالبان الباكستانية. وليس هذا فقط، بل أثار حزب حركة الإنصاف أسئلة وشكوكاً حول ما تروج له المؤسسة العسكرية بأن الحكومة الأفغانية هي التي تقف وراء الأزمة الأمنية في البلاد من خلال دعمها لطالبان الباكستانية، وهو ما اعتبره المؤيدون للمؤسسة العسكرية والحكومة دعماً لسياسات أفغانستان على حساب المصلحة الوطنية.
دعم المسلحين بين القبائل والجيش
ولجأت حكومة إقليم خيبربختونخوا، التي يتزعهما حزب خان، إلى القبائل البشتونية التي تعدّ لعقود ضحية العمليات العسكرية، من أجل توحيد صفّها بمواجهة عمليات الجيش العسكرية. وقال رئيس الحكومة المحلية في خيبربختونخوا، سهيل خان أفريدي، في خطاب أمام البرلمان المحلي، يوم الأحد الماضي، إنه أصدر قراراً بألا يشارك قائد فيلق بيشاور ولا أي مسؤول عسكري واستخباري في اجتماعات الجيش التي تتخذ فيها القرارات بشأن منطقة القبائل، على أن تحصل تلك الاجتماعات بين رموز القبائل والمسؤولين في الحكومة المحلية. وشدّد أفريدي على أن حكومته ستتخذ القرارات السيادية بشأن المنطقة بالتشاور مع القبائل، لأن الحكومة المركزية والقوات المسلحة تسخر من القبائل ولا تعيرها اهتماماً على حدّ قوله. وقال متهكماً: "الحكومة المركزية ومعها الجيش يعلنان أن كل من يُدمّر منزله نتيجة عمليات الجيش، يعطى 400 روبية باكستانية (357 دولاراً أميركي)، واعجباه! هؤلاء المساكين يبنون منازلهم على مدى عقود، يجمعون كلفتها قرشاً قرشاً ثم تأتي طائرة بلا طيار أو حربية لتدمر المنزل، ثم يأتي هؤلاء الذين ينفّذون العمليات ويقولون سنعطيكم هذا المبلغ وهو إحسان منا"، مضيفاً "عليكم أن تشعروا بالخجل بسبب فعلكم هذا".
وكان أفريدي قد اعتبر في تصريح آخر له الأسبوع الماضي أن "الجيش الباكستاني يدعي أن حكومة طالبان تدعم المسلّحين في باكستان، نحن لا نرى ذلك، لذا نطلب من الجيش تقديم الدلائل وهي غير موجودة". وأضاف: "الذباب لا يمكن له أن يتحرك في ظلّ هذا الوجود المكثف لقوات الجيش على الحدود، علاوة على السياج الفاصل الذي صرفت عليه أموالاً طائلة، فكيف يمكن للمسلّحين أن يعبروا الحدود وبهذا العدد الهائل الذي يعلنه الجيش؟ نحن لا نقبل ذلك". وأعلن أن هناك جهات تُخطط لاغتياله، ولكن القضية لن تنتهي أبداً بذلك، مشدداً على أنه "ينبغي على صنّاع القرار أن يدركوا ذلك قبل فوات الأوان".
ينتقد حزب عمران خان العمليات العسكرية للجيش ضد طالبان باكستان
في المقابل، قال المتحدث باسم الجيش الباكستاني الجنرال أحمد شريف في 19 يناير/ كانون الثاني الحالي، إن الجيش لا يحتاج إلى الاستئذان من أي جهة أو شخص لشنّ أي عملية أو عمل عسكري، مخاطباً الباكستانيين بالقول: "ألا ترون ما يجري في المناطق القبلية من عمليات عسكرية بشكل يومي ومكثف ضد المسلحين؟". ووصف شريف تعامل حزب عمران خان بشكل عام وحكومة إقليم خيبربختونخوا بشكل خاص بأنه عقبة أساسية في وجه المساعي الرامية إلى القضاء على المسلحين، مقارناً ذلك مع حكومة إقليم بلوشستان المحلية (يترأسها حزب الشعب الباكستاني بزعامة الرئيس الباكستاني أصف زرداري، الحليف للحزب الحاكم)، والتي قال إنها "تتعاون بشكل كبير مع القوات المسلحة، إذ إن لهذا التعاون نتائج ملموسة"، لافتاً إلى أن "الوضع يتحسن في وزيرستان ولكنه يتدهور في خيبربختونخوا"، بحسب قوله.
باكستان... لا تنازلات من الدولة العميقة
ورغم الصدام المتواصل وأخذه منحى خطيراً، يرى مراقبون أن الدولة العميقة (الجيش والاستخبارات) في باكستان ترفض بشكل قاطع تقديم أي نوع من التنازلات لحلّ الأمور مع حركة الإنصاف، بل هي لا تزال على موقفها الصارم، وهو أنه لن يُفرج عن خان سوى مقابل تعهده بالصمت وعدم خوضه في السياسة، وهو شرط طرحته المؤسسة العسكرية أكثر من مرة على خان عبر رسائل لكنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، مؤثراً البقاء في السجن على الرضوخ إلى مطالب المؤسسة العسكرية.
وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي الباكستاني محمد نادر بلوش، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الدولة العميقة في باكستان، وتحديداً الجيش، ليست مستعدة لأي نوع من التنازل، مع أن الجميع يدركون جيداً أن لهذا الصراع آثاراً سلبيةً عميقةً جداً في البلاد، فالأمور قد تخرج عن السيطرة وتكون غير قابلة للضبط. وأشار بلوش إلى أن حزب خان والمعارضة بشكل عام مستعدان للحوار والتفاوض، وهناك الكثير من الإشارات من قبل الحكومة التي تؤكد رغبتها في حلّ الأمور وسعيها لذلك، إلا أن للمؤسسة العسكرية حسابات أخرى، وفق قوله.
محمد نادر البلوش: حزب خان والحكومة مستعدان للتفاوض لكن الجيش يرفض
من جانبه، قال المحلل السياسي الباكستاني شودري مدثر علي، لـ"العربي الجديد"، إن للصراع وعدم حلّ المشاكل بين حزب خان والمؤسسة العسكرية والدولة العميقة أسباباً عديدة، منها دوافع داخلية وهي معروفة، فحزب خان كان يقف منذ البداية ضد سياسات المؤسسة العسكرية، وحالياً يقف في وجه عمليات الجيش الباكستاني، وبالتالي فإن المؤسسة العسكرية لن ترضى منح فرصة لحزب خان مرة أخرى، بينما يسعى هذا الحزب إلى تقويض سلطة وقوة المؤسسة العسكرية.
وأشار علي إلى أن المؤسسة العسكرية هي التي تدير السياسة الخارجية، تحديداً في ما يتعلق بدول الجوار والولايات المتحدة، وعمران خان له رؤية خاصة في ما يتعلق بالعلاقات مع دول المنطقة وواشنطن، فهو لا يقبل ما يحدث اليوم في الكثير من الملفات، وبالتالي فإن السياسة الخارجية والعلاقات مع القوى الدولية يستدعيان بالنسبة للمؤسسة العسكرية أن يبقى خان بعيداً عن السياسة، ولكنه يرفض إخراجه من السجن مقابل الصمت السياسي.
ولفت المحلّل السياسي الباكستاني إلى أن باكستان تدفع ثمن هذا الجدل، في أكثر من جانب، "فسمعة البلاد دمّرت عالمياً، تحديداً ما كنا نتغنى به من ديمقراطية، كلّها أمور لا قيمة لها الآن فيما يقبع خان في السجن، كذلك فإن العمليات المسلحة أصبح دورها متنازعاً عليه، ليس فقط بين القوى السياسية بل بين أطياف الشعب، وكذلك الحالة الاقتصادية، فنحن نعيش على ديون صندوق النقد الدولي، والاقتصاد يتدهور بشكل متواصل، والغلاء يرتفع والبطالة تنتشر، في ظلّ تمزق داخلي وأزمات سياسية وحالة أمنية متصاعدة".
يرفض الجيش الباكستاني بشكل قاطع تقديم أي نوع من التنازلات لحلّ الأمور مع حركة الإنصاف
واعتبر أن على الطرفين التنازل لأجل البلاد، "فلا يمكن للجيش محو حزب خان ونفوذه، ولقد رأينا خلال الأيام الماضية أن رئيس وزراء حكومة إقليم خيبربختونخوا، القيادي في حزب خان، سهيل خان أفريدي، زار إقليمي البنجاب والسند ولاقى حفاوة كبيرة، ما يشير إلى قوة ونفوذ حزب خان، ويؤكد أن كل الجهود المبذولة لتقويض هذه القوة لم تتكلل بالنجاح، والحل الوحيد يدور حول الذهاب إلى حلّ وسط يحفظ للطرفين ماء الوجه". وأوضح أن "عمران خان لن يترك الساحة السياسية، وهذا أمر معلوم"، على حدّ تعبيره، مضيفاً أنه "من هنا، ينبغي على صنّاع القرار الذهاب إلى حل آخر في ظل هذه المعطيات الموجودة". ودعا جميع الأطراف إلى النظر في القضية ضمن إطار المصالح الوطنية، وليس في إطار رغبات العالم والقوى الدولية، إذ إنّ باكستان ستدفع الثمن بينما القوى الدولية مستفيدة من كل الأحوال.
