ثورة يناير هي هي ولو كثر المبغضون
Arab
1 hour ago
share
هناك مثل مغاربي شائع يقول: "الله يكثر حسادنا"، لأن كثرة الحساد دليل كثرة الإنجازات، أما من لا يملك شيئاً فليس له ما يُحسَد عليه. ومن هذا الباب يمكن القول: إذا أردت أن تعرف قيمة ثورة يناير، فانظر إلى من يبغضونها. وإذا أردت أن تدرك عمق تأثيرها، فانظر إلى مقدار هذا البغض. وإذا أردت أن تعرف هل ما زالت حية قابلة للتجدد والبعث، أم أصبحت مواتاً في ذمة التاريخ، فانظر إلى حجم فزعهم منها، ومقدار تحرزهم من عودتها. وإذا أردنا أن نعرف ماذا قدمت ثورة يناير لمصر وللشعب المصري، فلا بد أن نعود إلى ما قبل يناير/ كانون الثاني 2011، لنرى كيف كان العالم ينظر إلى مصر وشعبها، وكيف كان الحاكم ينظر إلى مواطنيه. كان العالم يتعامل مع مصر بوصفها دولة هادئة وطيعة، يحكمها ديكتاتور موالٍ للغرب، هادئ في سياساته الخارجية، قمعي في سياساته الداخلية، باستثناء هامش محدود لحرية الصحافة تُرك متنفساً للشعب، بشرط ألا يتحول إلى حشد في الشارع، إذ كان أي حراك جماهيري يُواجَه بعنف شديد. وكانت الصورة السائدة عالمياً أن الشعب المصري مستكين، فاقد القدرة على تقويم حكامه أو محاسبتهم، وغير قادر على صناعة حراك حقيقي يؤثر في منظومة الحكم. حتى صار من المسلّم به أن الشعب المصري "لا يثور". أما نظرة الحاكم إلى شعبه، فكانت أكثر صراحة وقسوة. فلم يكن نظام حسني مبارك يمنح الشعب أي اعتبار حقيقي، بل كان ينظر إليه بوصفه "كماً مهملاً"، لا رأي له ولا همّ إلا الطعام والجنس وكرة القدم، وكان يُنظر إليه على أساس أنه غير مؤهل للديمقراطية. وقد عبّر عن ذلك بوضوح نائب الرئيس عمر سليمان، حين قال في مقابلة مع تلفزيون ABC في الثامن من فبراير/شباط 2011 إنه "يؤمن بالديمقراطية"، لكنه تساءل: "متى؟ عندما يمتلك الشعب ثقافة الديمقراطية!". نائب رئيس الجمهورية، وفي العام الثلاثين لحكم مبارك، يصرّح بأن الشعب لا يمتلك ثقافة الديمقراطية! ولو افترضنا – جدلاً – أن مبارك تسلم الحكم وشعبه يجهل الديمقراطية تماماً، وكان قد عمل، بعد عام واحد فقط من توليه السلطة، على تأهيله سياسياً، لبلغ هذا الشعب درجة "الدكتوراه" في الثقافة الديمقراطية بنهاية ثلاثين عاماً من الحكم. وعليه، فإن ما قاله عمر سليمان – حتى لو سُلّم به – يمثل اعترافاً صريحاً بجريمة نظام مبارك، ويجعل سليمان وأمثاله شركاء فيها: جريمة تجهيل الشعب سياسياً، وفرض الأمية السياسية عليه، ثم إلصاقها به لتبرير الديكتاتورية والاعتداء على حقوقه. وهذا المنطق لا يختلف عن منطق الاستعمار الخارجي، الذي كان يبرر وجوده بعدم قدرة المصريين على حكم أنفسهم أو حماية قناة السويس. فالاستعمار الداخلي بدوره يبرر قمعه بزعم أن الشعب غير مؤهل للديمقراطية. ولو كانوا صادقين، لكان حكم مبارك الطويل – الخالي من ذرائع "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" – كافياً لتأهيل الشعب، لا مجرد تعليمه أساسيات الديمقراطية، بل لإتقانه إياها. وجاء الرد التاريخي للشعب المصري في 25 يناير/كانون الثاني 2011. ذلك اليوم كان يوم إعادة تقييم لمصر ولشعبها، وإعادة اعتبار لهما. فبعد أن كان يُنظر إلى الشعب باعتباره ميتاً سياسياً، إذا به يصنع واحدة من أكبر الثورات في التاريخ من حيث حجم المشاركة. وبعدما وُصف بالفوضوية، إذا به يقدم واحدة من أكثر الثورات تنظيماً: مواعيد مليونيات محددة، ولجان شعبية لحماية الميادين، وأخرى لتنظيفها. فأين تكرر هذا المشهد في تاريخ الثورات؟ 25 يناير كان يوم إعادة تقييم لمصر ولشعبها، وإعادة اعتبار لهما. فبعد أن كان يُنظر إلى الشعب باعتباره ميتاً سياسياً، إذا به يصنع واحدة من أكبر الثورات في التاريخ وكانت المفارقة المدهشة في ثورة يناير هي سلميتها الراسخة، رغم عنفوانها وكثافة حشودها. تلك المعادلة التي أذهلت العالم، وجعلته يرفع رايات الإعجاب، ويقول: "نريد أن نعلّم أبناءنا هذا". فالعالم لم يعرف ثورة انفجرت في وجه القهر والفساد والطغيان، وفي ظل الإهانة داخل الأقسام وأوكار أمن الدولة، ثم رفعت شعار "سلمية… سلمية". ولم يعرف ثورة كلما سيطرت على الشارع ازدادت نبلاً وسمواً. كان بوسع الشباب، وقد انهار جهاز الأمن واختفى في جبن وخسة، أن يقتحموا بيوت رموز الظلم والفساد، وأن يجرّوهم إلى الشوارع أو يقتصّوا منهم، أو أن يكرروا مشهد الباستيل كما فعل الفرنسيون. لكنهم، بنبل نادر في الثورات، رفضوا ذلك، وأصروا على السلمية الخالصة، فطبعوا الثورة بلون أبيض ناصع. ولو اقتصر إنجاز ثورة يناير على إسقاط مبارك، لما كان ذلك إنجازاً هيّناً. فهي المرة الأولى التي يسترد فيها الشعب المصري حقه الأصيل في إسقاط حاكم جائر منذ أكثر من مائتي عام، منذ خلع خورشيد باشا عام 1805. ومنذ ذلك التاريخ، حُرم الشعب من ممارسة هذا الحق. ولو لم تحقق الثورة غير ذلك، لكان كافياً. غير أن إنجازات ثورة يناير تجاوزت بكثير إسقاط مبارك. ففي العامين والنصف اللذين تنفست فيهما – قبل أن "يُمزق جسدها الطري بالحراب"، على حد تعبير نزار قباني – حققت إنجازات جوهرية، أبرزها: إجراء أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخ مصر الحديث، وربما لا ينافسها إلا القليل قبل ثورة يوليو/تموز 1952. لكنها تميزت بكونها الأكثر شمولاً وشعبية، إذ شعر المواطن لأول مرة أن صوته حر ومحترم، فأقبل بكثافة غير مسبوقة على صناديق الاقتراع. أسفرت الانتخابات البرلمانية عن برلمان بلا حزب مهيمن، إذ حصل حزب الحرية والعدالة على 38% فقط، وهي سابقة في التاريخ النيابي المصري. جاءت الانتخابات الرئاسية بجولة أولى تنافسية شارك فيها أكثر من عشرة مرشحين، وحصل المتصدر على نحو 25%، كما في أعرق الديمقراطيات، ثم جولة ثانية حُسمت بنسبة 51.9%، وهي نسبة تضاهي ما تشهده دول ديمقراطية راسخة. انتزعت الثورة من الحاكم خطاب الاحترام للشعب وثورته وشهدائه، وأجبرت المجلس العسكري على تحية الثورة، ثم على أداء التحية العسكرية لأول رئيس مدني منتخب، أصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة. وساقت الثورة مبارك ورموز نظامه إلى قفص الاتهام. صحيح أنها أخطأت حين احتكمت إلى خصومها، فكان مشهد "البراءة للجميع"، لكن مجرد رؤية مبارك ونجليه، وأحمد عز، وفتحي سرور، وزكريا عزمي، وصفوت الشريف داخل القفص، كان حدثاً لم يكن يخطر ببال أحد قبل يناير 2011.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows