Arab
كثّفت تركيا إجراءات الترشيد وتدوير المياه، بعد عام من الشح المائي، وصولاً إلى ربط منح رخص البناء بتركيب أنظمة حصاد مياه الأمطار واستعادة المياه الرمادية، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من الجفاف وتراجع الموارد المائية. ووصُف عام 2025 بأنه الأكثر جفافاً في تركيا منذ خمسين عاماً، بعدما أثّر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي وحصة الفرد من المياه. ودفع ذلك حكومة أنقرة، منذ مطلع العام الجاري، إلى إصدار قرارات صارمة تتعلق بالاستهلاك، شملت رفع أسعار المياه، والإعلان عن مشاريع ضخمة لنقل المياه من أحواض مائية بعيدة إلى المدن المهددة بالعطش.
ومن بين أكثر الولايات تضرراً، ولاية بورصة التي عانت العام الماضي من نضوب المياه وجفاف المسطحات المائية. وتسعى الحكومة، ضمن خطة "الوضع المائي الجيد" الممتدة حتى عام 2028، إلى رفع مناسيب السدود، وتحقيق كفاية مائية، وتقليل الهدر في الشبكات، ووقف أساليب الري القديمة. وفرضت وزارة البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ، منذ مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، تركيب أنظمة استعادة المياه الرمادية في المباني الكبيرة شرطاً أساسياً لمنح تراخيص البناء. وأكدت الوزارة أن المشاريع التي لا تستوفي هذا الشرط لن تحصل على تصاريح الإقامة، كما لن تُمنح المباني قيد الإنشاء شهادة الاستخدام ما لم تُنفذ التركيبات المطلوبة.
وحددت الوزارة المباني المشمولة بإلزام تركيب أنظمة حصاد مياه الأمطار بتلك التي تبلغ مساحتها 2000 متر مربع أو أكثر، أو التي تتجاوز مساحة أسطحها 1000 متر مربع، إضافة إلى جميع المباني العامة. أما أنظمة استعادة المياه الرمادية، أي مياه الاستعمال المنزلي، فستكون إلزامية في الفنادق التي تضم 200 سرير أو أكثر، وفي مراكز التسوق التي تتجاوز مساحتها 10 آلاف متر مربع، وفي المباني العامة التي تزيد مساحتها عن 30 ألف متر مربع.
وتعمل أنظمة جمع المياه، التي أصبح تركيبها إلزامياً منذ الشهر الجاري، على تجميع مياه الأمطار من أسطح المباني، وتصفيتها وتخزينها في خزانات لاستخدامها في ري الحدائق، على ألا تقل سعة التخزين عن ما يغطي 6% من كمية مياه الأمطار القابلة للجمع سنوياً. أما في نظام المياه الرمادية، فتُعالج المياه الناتجة عن الاستهلاك المنزلي، مثل المغاسل والحمّامات، لإعادة استخدامها بعد المعالجة، بما يلبي ما لا يقل عن نصف الاحتياجات اليومية لخزانات المياه المرتبطة بها.
ويرى مدير مركز الفكر للدراسات الاستراتيجية في إسطنبول، باكير أتاجان، أن ملامح الجفاف، بل وزحف التصحر، أخذت تتزايد في تركيا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما العام الماضي، بعد تراجع مناسيب المياه في السدود وانخفاض الهطول المطري إلى أدنى مستوياته منذ ستين عامًا، ما انعكس تراجعًا في الإنتاج الزراعي وأوصل بعض الولايات إلى حالة عطش حقيقية. ويضيف أتاجان، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنه مع بداية عام 2026 وعودة هطول الأمطار وارتفاع منسوب مياه السدود، الذي وصل في إسطنبول إلى نحو 40%، شددت الحكومة إجراءات الترشيد في القطاع الزراعي، واعتمدت طرق الري الحديثة، وفرضت على المباني أنظمة تجميع وتخزين ومعالجة المياه لإعادة استخدامها في الري والخدمات.
وأوضح أن قرارات وزارة البيئة والتخطيط العمراني جاءت بعد خطوات مماثلة من وزارة الزراعة، التي أكدت ضرورة تحديث شبكات الري، واعتماد أنظمة الري بالتنقيط، وإعادة استخدام المياه عبر مشاريع تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، إضافة إلى تحديد كميات الري لكل مزرعة، وذلك بعد حملات توعية وتدريب لاستخدام التقنيات الحديثة في العمل الزراعي. ويحذر الباحث التركي من أن استمرار التغير المناخي، وتراجع الهطول المطري، وارتفاع درجات الحرارة، قد يدفع تركيا إلى مصاف الدول الفقيرة مائيًا، خصوصًا بعد تراجع نصيب الفرد إلى نحو 1330 مترًا مكعباً سنوياً. ويوصي بأن تمتد القرارات، بعد قطاعي الزراعة والبناء، إلى القطاع الصناعي الذي تستنزف بعض أنشطته كميات كبيرة من المياه، مثل صناعة الجلود.
ويؤكد أن هذه الإجراءات ضرورية لتفادي مخاطر الجفاف ونضوب الموارد، وتحقيق استراتيجية صون المياه التي أعلنتها الحكومة العام الماضي، بالتوازي مع مبادرة صفر هدر التي ترعاها السيدة الأولى أمينة أردوغان، من خلال رفع أسعار المياه على كبار المستهلكين، وتقليل الفاقد في الشبكات، واعتماد أساليب ري حديثة وذكية.
وتواجه تركيا تحديات متزايدة في أمنها المائي بعد دخولها تصنيف الإجهاد المائي، وابتعادها عن الدول الغنية بالمياه، مع وصول حصة الفرد السنوية إلى نحو 1300 متر مكعب فقط. وتشير التوقعات إلى احتمال تراجع هذه الحصة مستقبلًا في ظل النمو السكاني المستمر، وتراجع الهطول المطري، واستحواذ القطاع الزراعي على أكثر من 70% من موارد المياه العذبة في البلاد.

Related News
"فايننشال تايمز": واشنطن تربط ضمانات أوكرانيا بالتنازل عن دونباس
alaraby ALjadeed
4 minutes from now