Arab
يحاول كثيرون من القادة الشعوبيين استغلال ثقافات شعوبهم لإبراز صورة أنهم جزء أصيل منهم، ولا يختلفون عنهم، وعادة ما يكون ذلك كذبة أخرى تضاف إلى سلسلة أكاذيبهم. ويشكل المطبخ والطعام أولى اهتمامات هذه الشعوذات الإعلامية، فترى الزعيم في بيت أسرة فلاح بسيط يتناول معهم فطوراً عادياً على مائدة متواضعة، وينقل الإعلام هذه الصورة، مع ابتسامة القائد وفرحه وكأنه في شبابه بمنزل العائلة. أو تراه في شارع شعبي مزدحم يقف في الطابور أمام محل مأكولات شعبية مشهور، وغالباً ما يصطحب زوجته وأولاده كأي أسرة فقيرة أو متوسطة الحال، وتظهر صور هذا الزعيم وهو يصر على دفع ثمن السندويشات التي بالتأكيد لن يأكلها إلا كرامة الصورة.
ومن الصور الثابتة، حضوره في مطاعم مختلفة في مدن متعددة، ومن الطبيعي أن يحتفي رواد المطعم بالزعيم فيطلبوا "السيلفي" معه وهو يلبي الطلب مبتسماً. ومن النافل أن تعلق هذه المطاعم صور مائدة القائد الملهم وتضع صوره في مدخل المطعم، بل إن بعضهم يبقي الطاولة التي جلس إليها محجوزة لحين الانقلاب على الزعيم المحبوب.
بدأ بشّار أولى إطلالاته الإعلامية قبل أن يرث الرئاسة على هذه الشاكلة، فكانت له صور في مطاعم عدة في حلب، بعضها في محلات شعبية كمطعم للعجّة (أكلة شعبية) في سوق السقطية، وأخرى في مطاعم راقية في حلب الجديدة وغيرها. كذلك بات معروفا تردّده على مطاعم بعينها في طرطوس، واللاذقية، ودمشق ومصايفها.
نسي بشار هذه العادة بعد الرئاسة، إلى أن استعادها أخيرا قبل سقوطه، بظهوره في حي الميدان الدمشقي يتناول الشاورما مع أسرته، وقبلها بمناسبة أخرى يتناول الحلويات الشامية الشهية.
في بعض المناسبات والولائم التي تقام بالقصر الجمهوري كان بشّار يطلب من مطعم معين (نارنج) طبخا شرقياً لضيوفه، كما نجد في الصور المرفقة، حيث المقبلات (حمص، متبل شوندر، فتوش) والفريكة بالموزات وورق العنب وكنافة أم النارين، هي المشترك في ولائم زوار الأسد.
معظم طباخي الطغاة يحبونهم، وبعضهم يفاخر بهداياه من الديكتاتور ويغدق عليه الكثير من صفات البطولة والتعاطف، ولا اعرف إن كان ذلك ينطبق على حمدو، طبّاخ بشّار الأسد، الذي نُقل إلي أنه ما زال في سورية، على عكس سائقه الخاص المساعد أول (ب. ر) الموجود في لبنان، والذي أوصله للمرة الأخيرة إلى مطار دمشق الدولي، فاراً خارج البلاد.
عندما هم بشّار بمغادرة السيارة الرئاسية حانت منه التفاتة لسائقه الذي رافقه سنوات طويلة، فقال المساعد (صف ضابط): "هيك يا معلم بدك تتركنا؟" فرد بشار: "مو ما بدكم تقاتلوا! بتستاهلوا!". بُهت السائق ورد على معلمه للمرّة الأولى: الله لا ييسر أمرك.
كيف تطعم الديكتاتور؟
تقافزت هذه الصور لذهني وأنا أهم بقراءة كتاب الصحافي البولندي ويتولد زابلوفسكي "كيف تطعم الديكتاتور؟"، والذي اختار خمسة منهم: صدّام حسين (العراق)، وعيدي أمين (أوغندا)، وأنور خوجة (ألبانيا)، وفيديل كاسترو(كوبا)، وبول بوت (كمبوديا). ... يلاحق المؤلف طباخي هؤلاء، فيبدأ بطباخة بول بوت المسؤول عن موت حوالي ثلاثمائة ألف ضحية يشكلون ربع سكان كمبوديا في حينها. كشفت الطبّاخة التي انتمت للمتمردين (الخمير الحمر) وشغلت وزوجها مسؤوليات حزبية وديبلوماسية، أن بوت كان يفضّل السمك والدجاج وسلطة البابايا، ولكن على الطريقة التايلاندية مع صوص السلطعون (الكابوري)، ويتناول الوجبات الكمبودية التقليدية. قالت: "يفضّل حساء لحم الأفاعي ولا يحبذ حساء لحم السلاحف".
ويكشف الكتاب أن الرفيقة الطباخة قد نجت من حملات التطهير التي كان ينفذها بول بوت بسبب حبّه طعامها.
فيما يروي أبو علي طبّاخ صدّام كيف قرّر الأخير أن يشوي لأصدقائه مع زجاجة ويسكي، وكيف كانت الكباب حارّة جداً إلى درجة أن أصدقاء صدام كانوا يتراكضون بحثا عن الماء وهو جالس يضحك عليهم.
يروي الطباخ أنه بدأ عمله مع الرئيس بإعداد كعكة عيد ميلاد صدّام، وهذا ذكرني بالفيلم الرائع "كعكة الرئيس" الذي شاهدناه أخيراً في مهرجان الدوحة السينمائي، ثم يخبرنا أبو علي أن صدّام كان يطلب منه ثمن الطعام إن لم يعجبه. قال أبو علي: "كان صدّام يحب السمك المسكوف ومرق الباميا ومرق السمك والبسطرما. كان يأكل الأطباق العراقية ولم يأكل أي طعام مستورد. على الفطور، كان يتناول البيض أو السمك وشوربة العدس أو الباميا، وعلى الغداء كنا نعد سبعة أطباق أو ثمانية تتضمن نوعين من الحساء ونوعين من الدجاج، وبعض السمك وشيئا من الشواء".
يروي أوتوندي أوديرا طبّاخ الرئيس الأوغندي عيدي أمين بداياته مع أول رئيس وزراء أوغندي بعد الاستقلال ميلتون أوبوتي "رئيس وزراء أسود يوظف طاهياً أسود يعرف كيفية الطهو للبيض". اشترط عيدي أمين عليه أن يختن نفسه، إذا كان يريد الاستمرار بالعمل معه. ينفي شائعة أنه كان من آكلي لحوم البشر، ولكنه يؤكد أنه قتل عديدين، ومنهم بعض زوجاته وقطعهن إرباً.
أما ك.إنفر طباخ الديكتاتور الألباني أنور خوجة، فكان يحب فطائر اللحم من الأطباق الألبانية ملتزماً حمية السكري.
في حين يصف إيراسمو هرنانديز طباخ كاسترو ورفاقه، أن غيفارا "كان يأكل كأي جندي، سيما مع حبّه الفاصولياء السوداء".
أما طبق كاسترو المفضل فهو السباغيتي الذي أتقن صنعه وهو في السجن، ويزيد الطاهي أن "كاسترو كان بشكل عام طاهياً ممتازاً يحب الكحول والسيجار، لم يكن يتذمر، يأكل كل شيء على عكس أخيه راؤول".
