Arab
كُتب عنه، وسيُكتب كثيراً، وأُنتجت أفلام ساهمت في تخليد ذكراه. مانديلا الخالد في ذواكر شعوب العالم. أعجز العنصريّين من البيض عن قهره، مثلما أعجز السجن لثمانية وعشرين سنة في زنزانة منفردة لا تكاد تتسع له.
بكته شعوب العالم، عدانا نحن السوريّين، لانهماكنا بالبكاء على قتلانا ومقتلتنا المخزية. خرج نيلسون مانديلا العام 1990من سجنه، وترأسّ العام 1994 بلاده بعد تحريرها من استبداد نظام الفصل العنصريّ. ليكون أوّل رئيس لجنوب أفريقيا ببشرة سوداء، وأيقونة لمكافحة الظلم أنّى كان، ومعلّماً شامخاً بوطنيّته وسامياً بتسامحه مع جلّاده.
"الذي لا يُقهر" الفيلم الأهمّ والأضخم سينمائيّاً بين الأفلام التي أُنتجت عنه. وصادف أن يكون إنتاجه العام 2009 عيد ميلاد مانديلا التسعين (18 تمّوز)، المثبت في يوم عالميّ من أجل الإنسانيّة. يوم لا نشهده في هذه البلاد، فما نزال نغوص في عمائنا وعارنا المستفحل.
تعود فكرة إنتاج الفيلم للممثّل الهوليودي مورغان فريمان المولع بشخصيّة مانديلا، كان يحلم بأن يؤدّي دوره في فيلم يتأبّد في الذاكرة، فالفكرة مسألة وجوديّة بالنسبة له. استقى موضوع الفيلم من كتاب "ملاعبة العدوّ: نيلسون مانديلا واللعبة التي صنعت أمّة" للإنكليزيّ جون كارلين. وفيه تركيز على استثمار مانديلا الرياضة بما هي قضيّة سياسيّة ضمن مشروعه لمناهضة التمييز العنصريّ والعنف، ليجتمع السود والبيض في فيلم "الذي لا يُقهر".
لوّن مانديلا فريق رياضة الروكبي بعد أن اقتصر عمداً ومديداً على لاعبين بيض. كان مبدأ مانديلا في تشكيل فريق واحد وأمّة واحدة على أرضهم جنوب أفريقيا. اختار مورغان المخرج كلينت إيستوود، وتحقّق الحلم. كان مانديلا صادقاً وأميناً، يقول ويفعل، ويفي بوعوده. كان عشقه لبلاده نقيّاً، وإحساسه الوطنيّ يسمو فوق الكراهية والثأرية، ويتجاوز رفض شعبيّته لقراراته الخاصّة بالتسامح مع البيض؛ جلّاديه وجلّاديّ الشعب الأسود. فحين اجتمع الثوريّ المناضل بكابتن فريق الروكبي، وقد كان فريقاً ضعيفاً، شجّعه ووعده بأنّه سيدعم الفريق ليدهش بقوّته البلاد وخارجها، وأدخل في الفريق لاعبين سوداً. سعى مانديلا ببسالة لخلق الأمّة. وبالفعل أصبح الفريق الرياضي رمزاً قوميّاً، وبلا منازع. قال يردّ على مواليه الغاضبين لبقاء البيض في الفريق: "...الأبيض الذي كنت أُعدّه عدوّاً بالأمس أصبح اليوم أخاً وشريكاً في الوطن. فلماذا أحرمه من الفريق الذي يحبّه". وسبق لمانديلا أن خاطب البيض يوم ترأس البلاد، وكان عرف بجزعهم وتفكيرهم بالرحيل، قائلاً: "... إن كنتم سترحلون لخوفكم من أنّ لغتكم أو لون بشرتكم أو رؤساءكم السابقين قد يحولون بينكم وبين أعمالكم هنا، فلا داعي للخوف، فالحاضر يبقى والماضي مضى". أدهش هذا التسامح العالي البيض، واختاروا البقاء. وقد شكّل فريقه الأمني من رجال أمن بيض سابقين ورجال سود. كان بالغ الاهتمام ببناء الثقة بينه وبين أعداء الأمس، ومدّ جسور التآزر والثقة بين جميع المواطنين، لكسر هيمنة البيض أو السود وتعزيزاً للشعور بالمواطنة في وطن موحّد، ومجتمع ديمقراطيّ حرّ يعيش فيه الجميع بوئام وفرص متكافئة. سمّوه "أبو الأمّة"، وكانوا ينادونه "ماديبا".
خلال المباريات، لفتنا أنّ الفريق استبعد اللّاعبين السوريّين، واقتصر على الأجانب من جنسيّات مختلفة. بينما الجمهور المتحمّس يصرخ بشعارات مهدّدة عنصريّة، وعيونهم تشعّ بالجهل هنا وبالتغافل هناك عمّا يجري في الملعب. بينما كنّا نصغي بصعوبة لمانديلا يردّد مجدّداً أبياتاً من قصيدة "الذي لا يُقهر" للشاعر وليام إرنست هينلي، تشجيعاً للآخرين في سجنه وفي حاضره، بغتة يختفي صوته، فالجمهور يصخب بأغنية "لبّت لبّت" المُحدثة اللّاإنسانيّة، ويهتفون لتشجيع الفريق الأجنبيّ مهندس اللعبة الأوحد، والفائز الوحيد بمكاسبها.
