تفاوض على مدّ النظر
Arab
2 hours ago
share
إلى متى ستستمر عملية التفاوض بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)؟ إلى الأبد طبعاً، كما كل مفاوضات في الدنيا، كما هي الدنيا حقاً. الأرجح أن يتغيّر اسما "قسد" وحكومة دمشق، والأرجح أن يحصل هذا بطريقة الحلول التدريجي لشيء محلّ شيء، ولأشخاص محلّ أشخاص. ولكن عملية التفاوض ستبقى مستمرّة، وسيتغيّر شكلها بتغيّر الظروف.  وهذا ما سيحصل أيضاً في السويداء والساحل وإدلب وحماة وحلب ودمشق نفسها. سيأخذ أشكالاً متنوعة، سيكون مرّة على وقع ضربات المدافع، ومرّة على وقع صليل السيوف، وصليات النبال. مرّة على أساس أن العرب والكرد أعداء، ومرّة على أن السنة والشيعة مبدِّلون، ومرّة على أنّ للسنة ثأراً عند العلويين، أو أن للعلويين ثأراً أقدم عند السنة، ومرّة على أن الدروز يغنون جوفيّة تستثير الأجداد، أو أنّ للشمسيين دماً عند القمريين، ولليمانية واحدةً على القيسية.  أياً يكن، سيجد الناس ما ينقسمون عليه، ويتفاوضون حوله. ولأننا، كما تثبت التجارب كل يوم، لسنا شعباً محظوظاً، فسيجري التفاوض دائماً بدماء الناس، أو التلويح بإهراقها.  الشعوب المحظوظة يُقدّر لها أن تحظى بنخبٍ تجري عملية التفاوض باسمها حول طاولات، وفي قاعات دافئة، وأمام كل منهم عبوة ماء وعلبة مناديل. فالتفاوض بين أهل البلد الواحد لا يحتاج لصوت المدفع، بل لصوت الناخب. وأفضل ميدان تفاوض في العالم (حتّى الآن) هو قاعة برلمان مدورة.  قلت إننا أصحاب حظ قليل، لذلك سنبقى في هذه البئر طويلاً، والتي تبدو ملساء الآن، وسيصعب الخروج منها، إلّا على عنكبوت أو دلو مربوط بحبل. لا أربعة أيام ولا عشرة أشهر. ستسير الأمور وكأنها قدر أبدي، سنحصّل المكاسب يوماً بيوم، ونعيد فرزها كجيب معطف من الشتاء الماضي.  في عملية التفاوض الحالية، والجارية منذ أسبوعَين، عثرت على ثلاث قطع مفيدة، بدت نقاطاً مضيئة في ذلك الطريق المعتم.  ففيما كان الجميع يتساءل إن كانت الأمور ستنزلق في لحظة ما، وتفلت من بين أيدي القوى المحلية والدولية، ونذهب إلى حرب طويلة بأثمان باهظة، كانت هناك نقطة ضوء تقول: القرار الدولي حُسم، لا تقسيم لسورية. طبعاً هذا ليس هدف المعركة (التي أسميتها تفاوضاً)، بل عَرَضٌ جانبي ظهر على خدّ الأحداث. وأفعال القوى الدولية والإقليمية، وما دفعت حلفاءها المحليين لفعله وقوله، تشير دون لبس إلى ذلك.  القطعة الثانية المضيئة كانت تقول: القرار الدولي واضح، لا حرب مجدّداً في سورية. وأقصد بذلك حرباً واسعة منفلتة، من تلك التي نجمع فيها أعداد القتلى على جدول إكسل. كالتي كانت بين 2012 و2018.  الثالثة تقول: تم الأمر، عاد العصب العشائري إلى القمقم. فبعد تجربتَين مروّعتَين في مجازر الساحل والسويداء، وثلاث تجارب مصغّرة في جرمانا وأشرفية صحنايا وحمص، صار هذا العصب مركز الرعب الوطني، وغالباً الإقليمي، لأنه حين يفلت استجابةً لنداء فزعات، فهو يفلت عن أيّ سيطرة، ويعود بالبلاد إلى القرن الخامس، ويشكّل خطراً على كل ما حوله، وأول من يعرّضه للخطر، هو السلطة التي "فزع" نصرةً لها. فحين جرى "تصميم" مجزرة مزيفة في القرى العربية بجبل عبد العزيز، أمسك الجميع قلوبهم خشية انفلات ردة الفعل، لكن سرعة تطويق الدعوات، وتبيان زيف المقاطع الصوتية والمصورة، دلّت أيضاً أن هذا الخطر قد تعقلن أيضاً.  بشكل ما، هذه ثلاثة مكاسب حصّلناها من هذه الجولة التي لم تنتهِ بعد. 

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows