سوريون أكراد ولا "قسد"
Arab
2 hours ago
share
لم يفاجئ مبعوث الرئيس الأميركي إلى سورية، توم بارّاك، من يعرفون سياقات ولادة ما سمّيت (وما زالت تسمّى؟) قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، قبل نحو 12 عاما، ومساراتها وولاءاتها، عندما جهر بانتهاء هذا التشكيل، الذي يجوز رميُه بالشذوذ عن منطق التاريخ، وبضعف تمثيله السوريين الأكراد الذين ينسب إلى نفسه النُّطق باسمهم والتعبير عن تطلّعاتهم ومظلوميّاتهم. قال الرجل إن ثمّة سلطة واحدة في سورية، هي حكومة الدولة وأجهزتها برئاسة أحمد الشرع. وبدا كلامه مُحرجاً في فائض صراحته، وقد بقّ البحصة، وقال ما يجوز ترجمتُه "المهمّة انتهت"، لمّا أوضح أن مسألة التعامل الأمني والعسكري مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي صارت موكولةً إلى الدولة السورية وحدها. وفي هذا بعض الغرابة، فقد كان الاعتقاد أن الولايات المتحدة تمحض "قسد" تقديراً خاصّاً، وتُعليه بما هو أرفع من هذه "الوظيفية"، غير أن الأمر لم يكن كذلك، ولن يكون. والدرس هنا أن هذا التشكيل العسكري مدعوٌّ إلى أن يعرف حدوده تماما، فلا هو الإطار السياسي (والعسكري) لأكراد سورية الذي له أن ينهض بتأمين حقوقهم ومطالبهم من الدولة السورية ومؤسّساتها. ولا هو الرهان الدائم لدى الغرب، وفي مقدّمته الولايات المتحدة. وأمام هذا الانكشاف المتجدّد له، والذي دلّ على أن أوهام الغلبة والقوة لديه تسوقُه إلى خيباتٍ لا يستطيع التعمية عليها، من الأفيد، والأسلم، أن يبادر إلى مراجعة أحواله، ولا يتعاطى مع المعروض عليه من حلولٍ وصيغٍ وتفاهماتٍ بمكابرة وعناد، ومحاولات استقواء بخارج قريب أو بعيد.  أول ما هو عظيم الأهمية أن كل الحقّ للسوريين الأكراد بمطالب يطرحونها، ويلحّون عليها، وأن عملاً كثيراً لا بد وأن تنهض به الدولة السورية، وتنشط فيه من أجل أن يكون لكل سوري من القومية الكردية صوته وحضوره في مؤسّساتها وبرلمانها وأجهزتها بالتساوي المطلق والتام مع جميع السوريين. الأمر الذي عرفته سورية في عهود ما قبل حكم عائلة الأسد الذي تعامل مع المواطنين الأكراد بكثيرٍ من التمييز، وأنقص حقوقهم الثقافية والسياسية. وأياً تكن مصادر الوجاهة في ملاحظاتٍ على المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، أخيراً، ويقرّر اللغة الكردية لغة وطنية في الجمهورية العربية السورية، ويشدّد على حقوقٍ كاملةٍ لأصحاب هذه اللغة، فلا شك أن هذا تقدّمٌ كبيرٌ في مسار معالجة ما يمكن تسميتها مسألةً كرديةً في سورية، والتي ما كانت لتكون لولا مواريثُ وسياساتٌ تمييزية، وبسبب رؤوسٍ حاميةٍ وعصبياتٍ متشدّدةٍ في الجانبين العربي والكردي، ولولا التشظّي الجهوي والمذهبي والقومي الواسع في البلاد، والذي أحدثته الخيارات البوليسية والأمنية والمخابراتية التي سلكتها دولة العنف والقهر التي بناها حافظ الأسد عقوداً، وكانت من أهم المفاعيل التي أخذت سورية إلى الانتفاضة القوية التي اصبحت ثورة ثم حرباً شنتها سلطة الأسد على المنتفضين، ثم صار ما صار، وأصابنا يأسٌ ثقيل، قبل أن يبهرنا السوريون بإسقاطهم السلطة الظالمة بأقل كلفةٍ من الدماء. سورية تحت أكثر من مجهر، وتحت أبصار العالم كله ربما، غير أن الأهم أن ناسها هم من لهم الرأي والنظر والموقف، ومنهم أكرادها الذين يستحقون الأفضل من "قسد" وأشباحِها ومن تواليهم ومن يوالونها. وإذ يجري تغليب العقل والاتزان في بناء تفاهمات، وفي الأخذ والعطاء في مداولات ومفاوضات متتالية، من أجل أن تنتهي الأوضاع الشاذّة، والتي بموجبها يستولي تشكيل قومي، لا يملك قراره بالمطلق، يتوهم في ذاته ما ليس في مقدوره وما هو ليس له، على جغرافيا سورية شاسعة، محافظات ومدن وبلدات وقرى، بفلاحيها وصناعها ونخبها وعموم ناسها.  القرار سوري أولاً وأخيراً، قبل أن يقول توم بارّاك وغيره ما يقولون، أن سورية الواحدة الموحّدة لجميع شعبها، في السويداء والرقة وطرطوش ودمشق، في كل نواحي البلد وجهاته، قرار أخير، وليس بعده قرار. هل يتّعظ حكمت الهجري، إذن، بعد انحلال مرتقب لقوات سوريا الديمقراطية، مثلاً؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows