Arab
خبر مفرح للسوريين، كان سيغيّر واقعهم المعاشي وبنية اقتصادهم ويعيد الوفرة للأسواق، لو أنه لم يتبع بخبر آخر، يُرجئ الفرح إنْ لم نقل قتله، فحينما يتعلق الأمل بسنين مقبلة وطويلة، يفتر الحماس للفرح والانفراج ببلد لم يعتد، منذ عقود، على الفرح والبحبوحة. الخبر المفرح جاء بإعلان الشركة السورية للبترول استعادة تسعة حقول نفط وغاز (العمر، التنك، كونيكو، الجفرة، العزبة، طيانة، جيدو، مالح والأزرق) شمال شرقي سورية، بعد اندحار قوات سوريا الديمقراطية "قسد" أخيراً، من محافظتَي الرقة ودير الزور، والتي كانت تسيطر منذ عقد من الزمن، على خزان سورية النفطي والغازي والمائي والغذائي. ليبقى حقلا الرميلان والسويدية تحت سيطرة "قسد" بعد أن سلمت للدولة السورية حقل الجبسة الغازي بمحافظة الحسكة التي لمّا تزل تسيطر عليها.
وتعاظمت فرحة السوريين، بعد أنباء استعادة الإنتاج وبعض جاهزية الآبار والمنشآت، وبدء نقل النفط الخام، من آبار المناطق المحرّرة من "قسد" إلى مصفاتَي حمص وبانياس لتعود، أو هكذا يطمح السوريون، مشتقات نفطية تكسر حدة الأسعار وتعيد السوري لزمن الكفاية. بيد أن خبراً آخر، بدّد تلك الفرحة، أو أجلها على الأقل، نقلته الجهة ذاتها (وزارة الطاقة) التي سوقت الفرح المنقوص، بأن الإنتاج الحالي من هاتيك الآبار، لن يتجاوز 80 ألف برميل يومياً، وتقديرات بوصوله إلى 100 ألف برميل بعد أربعة أشهر، مضيفة "ولكن"، وكما تعلمون أن المعنى والمقصد لا يستويان بعد لكن، "سورية تحتاج إلى نحو 200 ألف برميل نفط يومياً لتلبية احتياجاتها"، ما يعني أنّ البلاد ستظلّ تعاني من عجز بنحو 100 ألف برميل نفط، ستستوردها من الخارج، ريثما تستعاد بقية آبار نفط محافظة الحسكة وتجري الصيانة وعمليات الترميم والتأهيل للآبار جميعها، وربما ريثما يجري اقتسام كعكة النفط ويعرف السوريون من هي الشركات التي ستربح عقود الاستثمار والاستكشاف والاستخراج، وما هي النسبة التي ستنالها.
قصارى القول: ربما من الصعوبة بمكان إطلاق إجابة واضحة ومسؤولة على سؤال: هل سورية بلد غني أم فقير؟ لأنّنا إن ابتعدنا عن غنى سورية بطاقتها البشرية وموقعها الجغرافي، فهي بلد فقير رغم الثروات الباطنية والإنتاج الزراعي والتراكم الصناعي والتجاري. وذاك الفقر ليس قدراً بقدر ما هو سوء إدارة وعدم القدرة على الاستفادة من الثروات والطاقات المتاحة، فإنْ عرفنا أنّ إنتاج القطن وصل في سورية يوماً إلى أكثر من مليون طن، فسنقول وفق هذا المؤشر إنها بلد غني، ولكن حين نعلم أن جلّ الإنتاج كان يصدر خاماً أو نصف مصنّع "غزل" نعرف أنها مفقرة، وكذا بالنسبة لبقية الثروات بما فيها الفوسفات والنفط، التي تصدر من دون الاستفادة من القيم المضافة.
بيد أنّ إنتاج النفط الذي لم يقل، حتّى مطلع الثورة عام 2011، عن 380 ألف برميل يومياً، كان يستر عورة فقر سورية أو تفقيرها، ويغطي على سوء الإدارة واستثمار الموارد، ويزيد، بالآن ذاته، صعوبة الإجابة على سؤال، أسورية غنية أم فقيرة؟ ولعل بقراءة خريطة مساهمة النفط، توضيح لما نرمي إليه وإعطاء فكرة عن دور هذه الثروة الباطنية بتحويل الاقتصاد السوري إلى شبه ريعي يعتمد على النفط والفوسفات بصادراته وحتى ناتجه القومي، ويوضح أهمية النفط بوقوف الاقتصاد السوري على قدميه، حتّى في سِنِيّ الأزمات والسرقة الفساد.
فمساهمة النفط فقط، وحتى عام 2011، بلغت 40% من عائدات الصادرات السورية ونحو 24% من الناتج الإجمالي وأكثر من 25% من موارد الخزينة العامة، وطبعاً هذه المساهمات وفق ما كان يصرّح به نظام الأسدَين (حافظ وبشار) بعد أن رفعا جزئياً سرية هذا القطاع وإنتاجه وصادراته، إذ بقي النفط السوري واستثماراته لعقود، من أسرار الدولة الممنوع تداولها.
نهاية القول: سرّان يمكن كشفهما للسوريين المنتظرين فرحاً، سيزيدان على الأرجح، من تحملهم المعاناة وإرجاء الفرح، لعامين أو ثلاثة أعوام، ريثما يعود النفط لسابق إنتاجه ويعيد هيكلة الاقتصاد السوري المقبل على سيناريوهات إعادة إعمار واستقطاب أموال واستثمارات ستعوّض، مجتمعة، الشعب عن سِنِيّ العوز خلال ثورته التي انتهت بمشهد اقتلاع عصابة الأسد.
السر الأول أنْ تفصح وزارة الطاقة السورية عن الإنتاج الحقيقي بكامل الآبار السورية، المحررة حديثاً أو التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد شرقي مدينة حمص، وكم هو الاستهلاك المحلي والمستوردات والميزان التجاري النفطي، وتكشف عن الاحتياطي المقدر عالمياً بنحو 2.5 مليار برميل، ويضع سورية بالمرتبة 32 عالمياً بين أكبر الدول في احتياطات النفط.
بل ولا تضنّ الوزارة بالمعلومات وتكشف عن احتياطيات الغاز والفوسفات، وأن أجزاء كبيرة من مساحات الجزيرة السورية (شمال شرق) غير منقبة وثمة احتياطي وآمال طاقوية هائلة على الشواطئ السورية تحت مياهها الإقليمية.
والسر الثاني الذي أبقاه النظام البائد سراً إلى يوم هروبه، وهو قيمة صادرات النفط وتوظيفها وطرق منح عقود الاستكشاف والإنتاج للشركات الأجنبية، لأنّ الثروات الباطنية السورية، ومنها النفط، يراها كثيرون من أسرار التهافت على سورية ما بعد التحرير ومحاولات الأخذ بيدها، لنيل حصة أكبر من تلك الكعكة. والسوريون إلى اليوم، يسمعون من نشرات الأخبار، خاصّة بعد رفع العقوبات وعودة سورية إلى الاندماج بالنظام المالي الدولي "استئناف تحويلات سويفت" أنّ الإمارات (شركة دانة) وقعت عقداً لإعادة تطوير حقول الغاز، وشركتَين أميركيتَين (كونيكو فيليبس ونوفا تيرا إنرجي) أبرمتا مذكرات تفاهم لتأهيل الحقول المهدّمة، وشركة شيفرون للتنقيب في مربعات بحرية.
ويسمعون أخباراً أخرى عن عودة روسيا لقطاع الطاقة السوري بالبر والبحر، رغم ما فعلت بالسوريين وأطالت بعمر نظام الأسد، وشركات فرنسية وبريطانية وتركية تتحضر للتوقيع، بعد أن وقعت أربع شركات سعودية، عقود المسج الجيوفيزيائي والاستكشاف واتفاقات دعم فني. المعرفة وفضلاً على أنها حق السوريين الذين ثاروا على نظام مصادرة حقوقهم وكبت حرياتهم وإساءة توزيع ثرواتهم، يمكن أن تصبّرهم على سِنِيّ الانتظار، ريثما يبدل النفط من واقعهم عبر زيادة موارد الخزينة، واستعادة التوازن النقدي، وفعالية أدوات الإدارة المالية، فعائدات تصدير 200 ألف برميل نفط، تنقل سورية والواقع المعيشي وسعر صرف الليرة، من إلى.

Related News
السعودية: علاقتنا مع الإمارات مهمة للاستقرار الإقليمي
aawsat
21 minutes ago
طهران: كل الخيارات مفتوحة والرد سيكون قاسياً
aawsat
24 minutes ago
واشنطن تحذّر بغداد من حكومة «تسيطر عليها طهران»
aawsat
27 minutes ago
الحرب على غزة | آليات الاحتلال تستهدف غربي رفح
alaraby ALjadeed
29 minutes ago