Arab
لا أظن أنّ هنالك فجاجة ووقاحة أكثر من أن يُعرض مستقبل غزّة على شاشات منتدى دافوس الاقتصادي، بينما حاضرها لا يزال يُقصف، ويُحاصر، ويُجَوَّع. في اللحظة التي لم تجفّ فيها دماء عشرات الآلاف من المدنيين الشهداء بعد، ولم تُطوَ فيها خيام النازحين، يخرج علينا سادة الأنخاب في دافوس بخطابٍ ناعم يتحدّث عن غزّة الجديدة، عن ناطحات سحاب، وشواطئ مُعاد تخطيطها، واستثمارات واعدة. وكأنّ الإبادة مجرّد تفصيل عرضي مؤسف في طريق مشروع عمراني كبير.
ما قُدِّم في دافوس لم يكن رؤية لإعادة الإعمار، بل إعادة تعريف للجريمة. فالمجرم ذاته الذي دعم آلة القتل، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، يحاول اليوم ارتداء قناع صانع السلام، ويُعاد تدوير الفاعل بوصفه مُنقذًا، وتُختزل الضحية في فرصة استثمارية مؤجّلة.
الخطير في هذا الخطاب ليس وقاحته فحسب، بل منطقه المريض، منطق يعتبر أنّ الجريمة يمكن تجاوزها بالزمن، وأنّ العدالة عائق أمام البراغماتية السياسية، وأنّ الضحايا مجرّد أرقام قابلة للنسيان وخصوصًا إن كانوا من جنوب هذا العالم أو شرقه. أكثر من سبعين ألف شهيد، غالبيتهم من الأطفال والأعداد مرشّحة للتضاعف، لا يظهرون في هذه العروض إلا كخلفية صامتة، إن ظهروا أصلًا.
غزّة ليست مشروعًا عقاريًا مؤجّلًا، وليست صفحة يمكن طيّها. إنها مرآة كاشفة لعالم اختار، مرّة أخرى، أن يقف في صفّ القوّة ضدّ الإنسان
أكثر من مليون إنسان مُشرّد بسبب جرائم الاحتلال الصهيوني وداعميه، يعيشون في خيام لا تقي من حرٍّ ولا من برد، لا يُذكرون إلا باعتبارهم تحديًا لوجستيًا في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن أي "ما بعد" هذا، وعدوان الاحتلال الصهيوني لم يتوقّف أصلًا؟ عن أيّ إعمار يتحدّثون، والحصار لا يزال خانقًا، والموت اليومي مستمر؟ الحديث عن المستقبل هنا لم يعد بريئًا، بل مجرّد أداة سياسية لإلغاء الحاضر. فحين يُسحب الضوء عن الجريمة الجارية، ويُسلَّط على مُخطّطات مستقبلية عبثية لا تضع الإنسان الفلسطيني في مركزها، يصبح القتل حدثًا من الماضي، حتى وهو يقع الآن.
هذا الخطاب ليس استثناءً، بل استمرارٌ لتاريخ استعماري طويل. الاستعمار لم يكن يومًا مجرّد احتلال أرض، بل إعادة تعريف الإنسان. واليوم، تُعاد صياغة الفلسطيني، لا بوصفه صاحب حق، بل بوصفه مشكلة أو عائقًا أو في أفضل الأحوال مُستفيدًا مُحتملًا من مشاريع لا يُستشار فيها. تُمحى علاقته بأرضه، وتُسلب هُويّته، ويُكتم صوته، ويُعاد تقديم الأرض نفسها مساحةً فارغةً قابلةً لإعادة التخطيط.
ما تكشفه غزّة اليوم ليس فقط وحشية آلة الحرب، بل انهيار القيم التي تدّعي بقايا النظام العالمي المُتهاوي الدفاع عنها. حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحماية المدنيين، وحقّ الإنسان في الدفاع عن نفسه كلّها شعارات تبخّرت تاريخيًا كلّما تعارضت مع مصالح القوى الغربية الاستعمارية. قيادات الغرب التي حاولت تقديم نفسها مرجعيةً أخلاقيةً، ظهرت كالعادة عارية من أيّ التزام أخلاقي حقيقي، ومستعدّة لتبرير الإبادة ما دامت الضحية ليست غربية، ثم وبكلّ وقاحة الاستثمار في ركامها.
محاولة قتل الحقيقة ستظل ناقصة، وستبقى معركة تحرير الإنسان مفتوحة، مهما طال الزمن
إنّ أخطر ما في أكاذيب دافوس ليس كذبها، بل محاولتها فرض النسيان. لكنها تفشل. لأنّ الدم لا يُمحى بعرض تقديمي، ولأنّ العدالة، مهما أُجّلت، لا تسقط بالتقادم. غزّة ليست مشروعًا عقاريًا مؤجّلًا، وليست صفحة يمكن طيّها. إنها مرآة كاشفة لعالم اختار، مرّة أخرى، أن يقف في صفّ القوّة ضدّ الإنسان.
ومع ذلك، ورغم هذا المشهد القاتم، لم يُسد الأفق بالكامل. فما زال هناك بصيص أمل، لا تصنعه قاعات المؤتمرات ولا جعجعة الرجل البرتقالي ولا تخريفات جو بايدن النعسان من قبله، بل تحييه ملايين الأصوات الحرّة حول العالم. جماهير خرجت ولا تزال تخرج، ترفض التطبيع مع الجريمة، وتقاوم محاولات تحويل الإبادة إلى أمر واقع، أو الفلسطيني إلى مجرّد هامش قابل للمحو. أصوات تقاطع، وتتظاهر، وتتطوّع، وتتبرّع، وتضغط، وتُناصر، وتكتب، وتصرخ، دفاعًا عن إنسان يُراد له أن يُباد بصمت. هذا الحراك العالمي، بكلّ تناقضاته وحدوده، يؤكّد مرّةً أخرى أنّ معركة غزّة ليست معركة أرض فقط، بل معركة معنى، وكرامة، وإنسانية. وما دام هناك صوت واحد يرفض الخضوع، ويقف في وجه القوّة العارية ومنظومتها، فإنّ محاولة قتل الحقيقة ستظل ناقصة، وستبقى معركة تحرير الإنسان مفتوحة، مهما طال الزمن.
Related News
غرق عبّارة في الفلبين.. مصرع 15 شخصا وإنقاذ المئات
al-ain
17 minutes ago
تحطم طائرة خاصة على متنها 8 أشخاص في ولاية «مين» الأمريكية
al-ain
37 minutes ago