منتدى فلسطين: التضامن العالمي من الجرح المحلي إلى الوعي الكوني
Arab
2 days ago
share
سلط أربعة باحثين الضوء على "التضامن العالمي مع فلسطين"، وهو عنوان الجلسة الثانية في المسار الثالث من "المنتدى السنوي لفلسطين"، الذي انطلقت دورته الرابعة في الدوحة، وينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، اليوم السبت. وما يجمع الأوراق البحثية الأربع هو أنها لا تكتفي بتحليل التضامن مع فلسطين بوصفه "ظاهرة ظرفية" أو "حملة عاطفية"، بل تنظر إليه باعتباره "بنية فكرية وسياسية جديدة" قادرة على إعادة رسم خرائط الوعي العالمي. فالقضية الفلسطينية لم تعد شأناً شرق أوسطياً معزولاً، بل أصبحت لغة مشتركة بين الحركات المناهضة للاستعمار، ومحرّكاً لمراجعة الخطاب الليبرالي في الديمقراطيات الغربية، وموقداً لأمل يتجدد في الجامعات والشارع والفضاء الثقافي. وهي تُبرز كيف تحوّل النضال من المحلي إلى الكوني: من مقاومة احتلال محدد إلى تحدٍ شامل لأنماط السيطرة، ومن مطلب وطني إلى دعوة إنسانية شاملة لإعادة التفكير في مفهوم العدالة نفسها. الحراك الطلابي: وعي كوني جديد قدّمت الباحثة ماري قرطام، من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في بيروت، ورقتها حول الحراك الطلابي العالمي من أجل غزة بوصفه نموذجاً جديداً لوعي سياسي كوني لا يعرف الجغرافيا، ويمتد من الجامعات الأميركية إلى الأوروبية، مروراً بالساحات الافتراضية. ورأت قرطام أن التعبئة الطلابية التي شهدها العالم بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لم تكن مجرد ردة فعل أخلاقية على مأساة، بل كانت تجسيداً لتحول بنيوي في التفكير السياسي لجيل شاب يعيد اكتشاف السياسة بوصفها ممارسة تحررية تتجاوز المؤسسات والدول. ففي ساحات الجامعات، انكسر احتكار الخطاب الرسمي، ونشأت شبكات تضامن عابرة للغات والديانات من الذاكرة الثورية العالمية، لتربط بين معاناة غزة ونضالات المهاجرين والمضطهدين في كل مكان. بذلك، أصبح الحرم الجامعي مختبراً لتجدد الفكرة المناهضة للإمبريالية في شكلها المعاصر، وإعلاناً عن عودة السياسة إلى أصلها الأخلاقي: مقاومة الظلم أينما كان. وأوضحت الباحثة أن غزة أصبحت نقطة انكسار للنظام المعرفي والسياسي بعد انتهاء الحرب الباردة. ومن خلال دراسة الأحداث التي بدأت منذ إبريل/ نيسان 2024، حيث أقام طلاب جامعة كولومبيا مخيماً احتجاجياً، يجرى استكشاف تحول الجامعات إلى فضاءات للنقاشات حول العدالة والمعرفة النقدية، مع التركيز على ثلاث نقاط، هي: أن حرب غزة تكشف رموز الاستعمار والرأسمالية العنصرية؛ وأن الحركة الطلابية تعكس تحولاً من المطالب إلى مساءلة السلطة؛ وأن الجامعات ليست محايدة بل تعزز هيمنة معرفية. فلسطين والمرآة الفرنسية أما الباحثة مزنة الشهابي، من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، فقد اختارت أن تدرس أثر فلسطين في قلب المعادلة الفرنسية الداخلية. في ورقتها المعنونة "خطوط في الرمال: كيف تعيد فلسطين رسم المشهد السياسي في فرنسا؟"، قدمت قراءة دقيقة لكيفية تحوّل القضية الفلسطينية من ملف خارجي إلى محدد رمزي في الصراع السياسي والفكري داخل فرنسا. وتستكشف الباحثة أسباب ردات الفعل الفريدة التي تثيرها القضية، مؤكدة أنها لا يمكن عزوها فقط إلى السياسة الخارجية أو المخاوف الأمنية، بل هي مؤشر على توترات أعمق داخل المجتمع الفرنسي ونظامه السياسي. وترى الشهابي أن فلسطين لم تعد تُستدعى بوصفها مجرد قضية إنسانية أو نزاع جيوسياسي في شرق بعيد، بل باتت تكشف عمق التصدعات في بنية الهوية الفرنسية نفسها، ومعنى "الجمهورية" حين تتقاطع مع مظاهر التعدد والهجرة والإرث الكولونيالي. فالتعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين غالباً ما يُؤطَّر ضمن خطاب الأمن العام والتهديد للنظام الجمهوري، ما يعيد طرح السؤال: لمن تنتمي حرية التعبير حين يتعلق الأمر بالمستعمرين السابقين ومستعمراتهم القديمة؟ هذه المقاربة تربط بين فلسطين والذاكرة الفرنسية، ليس من منظور التضامن فقط، بل من موقع التشخيص البنيوي لأزمات الفكر السياسي الغربي، حيث تتحوّل فلسطين إلى مرآة تكشف حدود الليبرالية الأوروبية في زمن الأزمات الأخلاقية. التضامن مع السكان الأصليين من زاويةٍ أخرى، جاء بحث أستاذ علم الاجتماع في جامعة ماونت رويال بكندا مهند عياش ليضيء على شكل آخر من التضامن (التضامن بين الفلسطينيين والسكان الأصليين). في ورقته "التضامن الفلسطيني مع السكان الأصليين في كندا: نحو موضعة القضية الفلسطينية كحركة تحرر عالمية"، يبين عياش أن كلاً من التجربتين، الفلسطينية والأصلية، تنبثق من "جرح استعماري واحد"، وإن اختلفت السياقات. لقد اكتشف المهاجر الفلسطيني في كندا أن معركته ضد الاستيطان الإسرائيلي ليست منفصلة عن نضال الشعوب الأصلية ضد محو وجودها على أرضها. ومن خلال مقابلاته مع نشطاء من الجانبين، يرسم عياش صورة لعلاقة تبادلية تنتج معرفة مشتركة جديدة قوامها فهم الاستعمار بوصفه بنية مستمرة لا حادثة تاريخية، وأن مقاومته تحتاج إلى تجاوز صيغ القانون الدولي إلى فضاء تحرري جذري يعيد للإنسان أصالته في الأرض والمعنى. وبهذا، تندرج فلسطين في قلب النقاش العالمي حول تفكيك الاستعمار الحديث، لا باعتبارها قضية استثناء، بل بوصفها نموذجاً مرجعياً يعيد تعريف العدالة في العالم "ما بعد الكولونيالي". وبالنسبة للناشطين من السكان الأصليين، أشار عياش إلى أن تحركاتهم تنوعت بين إلقاء الكلمات في المسيرات والاحتجاجات، والتحرك المباشر كالمقاطعة والتعطيل، وتنظيم ندوات تثقيفية، وإقامة فعاليات فنية وموسيقية مشتركة، والمشاركة في مخيمات الطلاب، وتقديم عروض تراثية في الاحتجاجات ضد الإبادة الجماعية، وعقد فعاليات أكاديمية وورش عمل لتعريف مجتمعاتهم بفلسطين. في المقابل، تنوعت تحركات الناشطين الفلسطينيين بين المشاركة في فعاليات يقودها السكان الأصليون، ودعوتهم للتحدث في فعاليات فلسطينية، والتحرك المباشر للتعطيل، وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات في الجامعات، وجلسات المصالحة. ولفت عياش إلى أن بعض الفعاليات ركزت على نضال السكان الأصليين، وأخرى على النضال الفلسطيني، بينما ركزت فعاليات أخرى على الترابط بينهما؛ وتنوعت بين جلسات حوار مفتوحة، وحلقات نقاش رسمية، ومناقشات مجتمعية، ولقاءات غير رسمية، وورش عمل افتراضية، وتظاهرات واسعة النطاق. وقد سلط العديد منها الضوء على أهمية اتخاذ أشكال أكثر مباشرة من العمل والتواصل المجتمعي. الشتات وإعادة تخيّل المقاومة بدورها، تذهب فاني كريستو، من المعهد السويدي للشؤون الدولية في استوكهولم، إلى ميدان الشتات الفلسطيني في أوروبا لتتابع خطوط المقاومة الممتدة عبر القارات. في دراستها "إعادة تخيّل المقاومة وكسر الصمت عبر الحدود: حشد الشتات الفلسطيني في السويد بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023"، تقدم كريستو مقاربة إثنوغرافية دقيقة ترصد كيف تحوّل الفضاء العام السويدي إلى ساحة خطابية جديدة للمقاومة، تجمع بين الفن والسياسة والهوية. وفي مدينة مالمو خلال مسابقة "يوروفيجن" في مايو/ أيار 2024، لم يكن الحضور الفلسطيني مجرد احتجاج على محرقة غزة، بل إعلاناً صريحاً عن ولادة أسلوب جديد من النضال الثقافي الذي يواجه السرديات المهيمنة من داخلها، وكانت لحظة محورية للمقاومة الفلسطينية العابرة للحدود. ورأت كريستو أن الفلسطينيين في مالمو يجسدون مقاومة عابرة للحدود، رابطين شوارعهم ومساحاتهم الرقمية بالنضالات العالمية. وتُؤكد الممارسات اليومية والرمزية (أشجار الذكرى، أعلام الشرفات) وجودهم؛ فالفلسطينيون في السويد يعيدون صياغة معنى الانتماء والمواطنة في عالم تغوّل فيه الخطاب الأمني على الحرية. ومن هنا تنبني حجتها بأن الشتات الفلسطيني يمثل فاعلاً أساسياً في مقاومة الاستعمار داخل فضاءات "الشمال العالمي"، حيث تتحول المسافات إلى جسور، والهوامش إلى مراكز إنتاج للمعنى والاحتجاج. وفي زمن "الانكشاف الاستعماري المعولم"، تبدو فلسطين اليوم وكأنها تمسك بخيط سرّي يوصل بين طلاب الجامعات في الغرب، والمهاجرين في الشتات، والسكان الأصليين في الشمال، والنشطاء في الجنوب. هذا الخيط هو ما يعيد تعريف التضامن لا مجرد تعاطف، بل فعلاً مقاوماً وبناء لوعي جديد يربط المعاناة بالأمل، والذاكرة بالفعل، والفكر بالميدان. ويقدّم المنتدى، بهذا المعنى، قراءة كونية جديدة للجرح الفلسطيني، لا باعتباره رمزاً للحزن، بل باعتباره مختبراً للمعرفة ومصدراً لإلهامٍ سياسي متجدد. ففلسطين تعود اليوم لتحتل موقعها المركزي في النقاش العالمي حول معنى الحرية، وتذكّر العالم بأن التحرر ممارسة مستمرة، وأن الاستعمار مهما تنكّر في صور جديدة يبقى هشاً أمام قوة الفكرة عندما تتحول إلى وعي جمعي متجاوز للحدود.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows