Arab
مع استمرار عودة اللاجئين الأفغان من باكستان، نتيجة الضغوط والإجراءات القسرية التي مارستها إسلام أباد بحقهم، فضلاً عن العائدين من إيران، شرعت حكومة طالبان في تنفيذ برنامجٍ لتوزيع أراضٍ سكنية على العائدين، في محاولة لمعالجة إحدى أكثر القضايا الملحّة، وهي مسألة الإيواء والاستقرار.
قُدّم هذا البرنامج بوصفه حلّاً يخفف معاناة آلاف الأسر العائدة التي لا تمتلك منزلاً أو تفتقر إلى أي مصدر دخل، غير أن تطبيقه على أرض الواقع كشف عن إشكاليات عديدة، ما خلق حالة من الشكوى والامتعاض بين المستفيدين وغير المستفيدين على حد سواء.
وقررت حكومة طالبان أن الأراضي لا تُوزّع على جميع العائدين، بل تقتصر على مَن لا يملكون أي أملاك، وعلى مَن تُثبت حالتهم المعيشية أنّهم فقراء وغير قادرين على تأمين السكن بأنفسهم. هذه المعايير، ورغم أنها تبدو منطقية لدى كل من يعرف الوضع في أفغانستان والأحداث التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، إلا أنّها لم تُقنع شريحة واسعة من العائدين، الذين يرون أن الفقر بات حالة عامة، وأنّ معظمهم يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الحياة، وأنّ كل ما تقدمه الحكومة من مساعدات غير الأراضي، يُعتبر زهيداً، لذلك يطمحون إلى الحصول على قطعة أرض، حتى ولو امتلك بعضهم المنزل، فهم يحتاجون إلى هذه الأرض أو ما يعادلها من المال، لتلبية احتياجاتهم الحيوية.
يقول محمد عمران فقير لـ"العربي الجديد" وهو أحد العائدين من باكستان، إنّ عائلته عاشت أكثر من 35 عاماً في مخيم "دركي" شمال غربي باكستان، وعادت بعد أن فقدت مصدر دخلها وكل ما كانت تملك هناك. ويضيف: "أملك هنا أرضاً ومنزلاً مدمّراً يحتاج ترميمه إلى الدعم المادي، وفي حال وفّرت الحكومة أو أي جهة دولية أو غير دولية هذا الدعم، حينها لا نريد الأرض. ولكن إن لم يتوفر الدعم، فلا سبيل لخلاصنا إلا بالحصول على قطعة أرض، قد نبيعها لنرمّم منزلنا الذي دُمّر بفعل الحرب".
ويشير فقير إلى أنّ أسرته تعيش حالياً عند أقاربهم في ظروف صعبة، وأنّه قدم طلباً للحصول على قطعة أرض، لكن قيل له، إنّهم ليسوا من الفقراء جداً الذين يستحقون الأرض، وإنّ أبناءه الخمسة كبار، وبإمكانهم العمل، مضيفاً: "أدرك أن كلامهم صحيح، لكن كل أبنائي بلا عمل، لا نملك شيئاً، بيتي مدمّر بالكامل، ولا أعلم من أين سأجني المال لإعادة بناء المنزل".
ويكشف محمد رمضان باقر، العائد من إيران، خشيته من أن يُرفض طلبه، ويقول لـ"العربي الجديد": "رحّبنا ببرنامج الحكومة، لكنّنا لمسنا مشكلة في طريقة تنفيذه، إذ تشير الآلية إلى أن بعض العائدين فقط سوف يحصلون على أراضٍ، في حين تغيب المعلومات الكافية والدقيقة عن كل العائدين، ويجري الاعتماد فقط على المعلومات المسجلة في الاستمارات، وبعضها خاطئ، وعلى ما يقوله العائدون".
تبرز مشكلة أخرى، وهي أن الأراضي الموزّعة ليست على وتيرة واحدة من حيث القيمة والموقع، إذ تقع بعض الأراضي في مناطق بعيدة عن مراكز المدن، تفتقر إلى الطرق المعبّدة والخدمات الأساسية، ما يعني أنّ قيمتها ليست كقيمة الأراضي القريبة من المدن، التي تتوفّر فيها التسهيلات والطرق المعبّدة.
ويقول الخبير الاجتماعي، محمد أبرار، لـ"العربي الجديد" إنّ ما يجري يعكس أزمة أعمق من مجرد توزيع أراضٍ، ومَن يستحق ومَن لا يستحق، وما آلية التوزيع، إذ إنّ الأزمة الحقيقية تكمن في أنّ أفغانستان تواجه تحدياً مُركّباً يتمثل في عودة أعداد كبيرة من اللاجئين، في وقت تعاني فيه البلاد من ضعف الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة. ويرى أن الحكومة لديها أعذارها، "فهي تبذل قصارى جهدها، لكنّ إمكاناتها هشّة، والأراضي لا تكفي للجميع. من هنا لا بدّ من اختيار البعض دون سواهم، لكن في المقابل، نرى أن كل العائدين يعانون بعد أن واجهوا القسوة والعنف والظلم خلال ترحيلهم من دول اللجوء، خصوصاً باكستان، بالتالي هناك شعور بالظلم، لأن الحاجة صارت حالة عامة، وليست استثناءً".
ويُحذّر أبرار من أن استمرار هذه الشكاوى من دون معالجتها، قد يؤدي إلى خلق احتقان بين العائدين أنفسهم، وبينهم وبين المجتمع المحلي، مشيراً إلى أنّ بعض العائلات المقيمة تعاني أيضاً من الفقر، ما يجعل مسألة تخصيص الدعم للعائدين فقط موضوعاً حساساً. ويؤكد أنّ "الحل يكمن في رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الجميع، وليس فقط العائدين، وهذا الأمر معقد جداً، ويتطلب إمكانيات وأموالاً جسيمة، وهو ما يُعتبر بعيد المنال".

Related News
الهلال يخطب ود غريب بعرض رسمي
aawsat
16 minutes ago
الدوري الفرنسي: ستراسبورغ يعمق جراح ليل بفوزٍ كاسح
aawsat
18 minutes ago
هجوم مسلح يستهدف مديرية أمن ديار بكر التركية
alaraby ALjadeed
26 minutes ago