Arab
دخلت إسرائيل عام الانتخابات البرلمانية، سواء أُجريت في موعدها المحدَّد نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل أم جرى تقديمها إلى موعد أقرب. وباتت أجواء الانتخابات تُهيمن على المشهد السياسي وعلى سلوك الأحزاب كافة، الأمر الذي يدفع الساحة السياسية الإسرائيلية إلى الانشغال بالملفات التي يُتوقَّع أن تشكّل محاور المعركة الانتخابية المقبلة. وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال خطابه أمام الهيئة العامة للكنيست، الاثنين الماضي، محاور الانتخابات المقبلة. واستغلّ الجلسة الخاصة التي عُقدت بطلب من أربعين عضو كنيست من المعارضة، والمخصّصة لبحث إخفاق الحكومة في مواجهة العنف والجريمة في المجتمع العربي، لطرح القضايا والمحاور المركزية التي يعمل على أن تدور حولها المعركة الانتخابية المقبلة.
نتنياهو يُلقي بالمسؤولية على الائتلاف الحكومي السابق
استهلّ بنيامين نتنياهو خطابه بتحميل الائتلاف الحكومي السابق، المعروف بحكومة التغيير، مسؤولية تفاقم العنف والجريمة في المجتمع العربي، معتبراً أن ذلك جاء نتيجة استجابة ذلك الائتلاف لمطالب "القائمة الموحدة" (الحركة الإسلامية ـ الجناح الجنوبي) بتحويل ميزانيات إلى المجتمع العربي، وهي ميزانيات ادّعى نتنياهو أنها أسهمت، على أرض الواقع، في تعزيز حضور ونفوذ الجريمة المنظّمة. كما صرّح أن حكومته الحالية تعمل، وستواصل العمل، على فرض الحوكمة في النقب، كجزء من مكافحة الجريمة والعنف، أي في المجتمع العربي البدوي في المنطقة، مضيفاً أن مظاهر تآكل الحوكمة في إسرائيل تعود إلى معيقات تضعها المستشارة القانونية للحكومة أمام تنفيذ السياسات الحكومية.
وبذلك، ربط بنيامين نتنياهو بين تراجع الشعور بالأمن والأمان الشخصي وتفشّي العنف والجريمة، من جهة، وبين أداء الائتلاف الحكومي السابق والسلطة القضائية، من جهة أخرى، متّهماً الأخيرة بعدم التعاون مع الحكومة. وبهذا الخطاب، يتهرّب نتنياهو، كعادته، من تحمّل المسؤولية، موجّهاً رسالته إلى الناخب الإسرائيلي، مفادها أن خطة الحكومة وسعيها إلى تقييد صلاحيات السلطة القضائية، وتغيير مكانة المستشارة القانونية للحكومة، وفصل منصب المدّعي العام عن منصب المستشارة القانونية، تهدف إلى تحسين مستوى الأمن والأمان الشخصي في البلاد.
إبراز ما يعتبره بنيامين نتنياهو إنجازات عسكرية
تطرّق بنيامين نتنياهو في خطابه إلى التطوّرات المتعلّقة بإيران، مجدّداً التهديدات الإسرائيلية التي تؤكّد عدم السماح لإيران بإعادة ترميم قدراتها الصاروخية أو النووية، ومشدّداً على أن إسرائيل مستعدّة لتوجيه ضربات قاسية لإيران إذا اقتضت الظروف ذلك. كما أوضح أن حكومته لن تقبل باستمرار أي وجود لحركة حماس في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، مؤكّداً أن إسرائيل تعمل على تحقيق كامل أهدافها ومصالحها في القطاع، وأن ذلك يُشكّل شرطاً أساسياً للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب على غزة.
سيعمل نتنياهو على الادعاء بأن قراءة اليمين وحزب الليكود كانت صائبة بشأن السياسات المتّبعة في الضفة الغربية
كما استغلّ نتنياهو خطابه للعودة مجدداً إلى مهاجمة أجهزة الأمن والجيش، على خلفية الإخفاق الكبير في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في محاولة لإبعاد المسؤولية عنه وتحميلها للمؤسسة الأمنية. وادّعى أنه تعاون بشكل كامل مع التحقيق الذي بادر إليه مراقب الدولة، في حين امتنعت، بحسب قوله، القيادات الأمنية عن التعاون.
وفي فقرة واحدة، حرص بنيامين نتنياهو على تحديد جميع خصومه، إذ قال في ما يتعلّق بالتحقيق في أحداث السابع من أكتوبر: "ستُقام لجنة تحقيق متساوية، وليس لديّ ما أخفيه. ولهذا التقيتُ بمراقب الدولة، وقدّمتُ له محاضر وجملةً من الوثائق، بما في ذلك تلك المتعلّقة بالأيام التي سبقت السابع من أكتوبر. أنا مثلت للإدلاء بإفادتي، لكن من الذي لم يمثل؟ رئيس الشاباك السابق، ورئيس الأركان السابق، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) السابق. وبعد هذه الشهادة الصادمة، أصدرت المحكمة العليا أمراً مؤقتاً يمنع مراقب الدولة من معالجة هذا الملف. لقد كان يتعامل مع الموضوع منذ عامين، لكن فجأة، بعد أيام قليلة من شهادتي، يجب تجميد كل شيء. ماذا حدث؟ الذي حدث هو الشهادة والوثائق التي قدّمتُها".
محاور الانتخابات المقبلة
استناداً إلى الحالة السياسية في إسرائيل، ومضامين خطابات بنيامين نتنياهو وأداء المعارضة البرلمانية التي تقع مراراً وتكراراً في المصيدة التي ينصبها لها، وتُستدرج إلى خوض معارك سياسية تخدم مصالحه الانتخابية وتسهّل عليه مخاطبة قواعد اليمين، يمكن القول إن نتنياهو ينجح إلى حد كبير في فرض جدول أعماله على الساحة السياسية وإن الانتخابات القادمة ستشهد حالة توافق واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي تتبنّى طرح اليمين بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، يقوم على دعم توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وتعزيز الحضور العسكري الإسرائيلي، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والعمل على منع قيام دولة فلسطينية في المستقبل. وفي هذا السياق، سيعمل نتنياهو على الادعاء بأن قراءة اليمين وحزب الليكود كانت صائبة طوال السنوات الماضية في كل ما يتعلّق بالسياسات المتّبعة في الضفة الغربية، وأن مجمل الطيف السياسي الإسرائيلي بات اليوم يتبنّى هذا الطرح، بما في ذلك أحزاب المعارضة المركزية.
الخلاف السياسي الذي يمكن أن يتطور في مسألة الاحتلال والاستيطان سيكون حول مطلب اليمين الديني المتطرّف بضمّ الضفة الغربية إلى إسرائيل، في مقابل طرح الإبقاء على الوضع القائم الحالي، من دون انتقال إلى خطوات ضمّ رسمية. سيبرز نتنياهو مسألة مكانة الأحزاب العربية وشرعية تأثيرها السياسي في المنظومة السياسية الإسرائيلية، ولا سيّما في ما يتعلّق بإمكانية تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل. ويتمحور السؤال المركزي هنا حول ما إذا كانت الأحزاب الإسرائيلية مستعدّة لتلقّي دعم من الأحزاب العربية لتشكيل ائتلاف حكومي، كما حدث بعد انتخابات عام 2021، أم أن أحزاب المعارضة الإسرائيلية ستفضّل، بعد أحداث السابع من أكتوبر، الامتناع عن تشكيل حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، حتى وإن اقتصر هذا الدعم على امتناع حزب أو أكثر من الأحزاب العربية عن التصويت ضد منح الحكومة المقبلة ثقة الكنيست. ويُشار في هذا السياق إلى أن هذه المسألة تشكّل أيضاً موضوعاً خلافياً داخل المجتمع العربي وبين الأحزاب العربية نفسها، ولا تحظى بإجماع ضمني. بينما سيعمل حزب الليكود ورئيسه نتنياهو على نزع الشرعية عن أي دور مستقبلي للأحزاب العربية في تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل.
كما سيحاول بنيامين نتنياهو التشديد على التصدّعات المرتبطة بالشأن الداخلي، خصوصاً سؤال مكانة السلطة القضائية، ومكانة الأحزاب الحريدية والمجتمع الحريدي في النظامين السياسي والاجتماعي في إسرائيل، وقضية سن قانون لإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية وضمان ميزانيات حكومية للمعاهد الدينية ومؤسسات المجتمع الحريدي. بالتوازي سيعمل على تقليل أهمية محاور أحداث السابع من أكتوبر 2023، وفي مقدّمتها مسألة تحمّل المسؤولية عن الإخفاق الكبير، والسؤال المتعلّق بإقامة لجنة تحقيق رسمية في تلك الأحداث.
يُعد ملف إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية أحد أكثر الملفات حساسية في إسرائيل
وفي غالبية هذه المحاور، يبدو أن نتنياهو أكثر استعداداً لخوض المواجهة، إذ لا توجد خلافات جوهرية داخل معسكر اليمين واليمين المتطرّف حول معظمها. كما يمتلك بنيامين نتنياهو روايات جاهزة للتعامل مع كل ملف. في ما يتعلّق بالحرب على غزة، ورغم الإخفاقات، سيُقدم رواية مفادها أن إسرائيل خاضت معركة حاسمة ضد كافة الأعداء في المنطقة، وخرجت منتصرة، وأن ملامح الشرق الأوسط قد تغيّرت. أما الصراع مع السلطة القضائية، فيحظى بقبول واسع داخل قواعد اليمين، ويُعدّ مطلباً جامعاً لمختلف مكوّناته. وينسحب الأمر ذاته على الصراع مع المستشارة القانونية للحكومة ومع المدّعية العسكرية، وهو صراع يحظى بدعم واسع داخل قواعد اليمين.
في المقابل، يُعد ملف إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية أحد أكثر الملفات حساسية في المشهدين السياسي والانتخابي في إسرائيل. فهذه القضية تثير إشكاليات حتى داخل معسكر اليمين واليمين المتطرّف نفسه، إذ إنّ جزءاً من قواعد اليمين غير مقتنع بمضامين القانون المقترح ولا يقدّم له دعماً كاملاً. لذلك سيحاول بنيامين نتنياهو المراوغة والمماطلة، وتقديم وعود للأحزاب الحريدية وتعويضهم بميزانيات، بهدف تأجيل الحسم في هذا الملف. فهو لا يريد، من جهة، خسارة التحالف الاستراتيجي مع الأحزاب الحريدية إذا لم يسنّ القانون، ولا يريد من جهة أخرى توفير مبررات للمعارضة للهجوم عليه إذا ما تم فعلا سن قانون يلقى معارضة لدى قسم من قواعد اليمين.
ويبقى الاختبار الحقيقي للائتلاف الحكومي والأحزاب الحريدية مرتبطاً بموعد إقرار مشروع ميزانية الدولة لعام 2026، والمحدَّد حتى نهاية مارس/آذار المقبل. فإذا لم تُحلّ معضلة إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية قبل هذا الموعد، فإن الائتلاف الحاكم سيواجه صعوبة جدّية في تمرير قانون الميزانية. وفي حال تعذّر إقرار الميزانية، يُفضي ذلك إلى حلّ الكنيست تلقائياً، وتُحدَّد الانتخابات العامة خلال فترة لا تتجاوز تسعين يوماً من نهاية مارس المقبل، ما لم يتوصّل الائتلاف والمعارضة إلى اتفاق على موعد آخر، على ألّا يتجاوز ذلك فترة تتراوح بين تسعين ومئةٍ وعشرين يوماً بعد نهاية مارس.
بالمجمل، فإن محاور الانتخابات المقبلة ستتمحور، في معظمها، حول قضايا داخلية، في حين ستغيب مجدداً قضية الاحتلال والاستيطان والسيطرة على غزة عن النقاش العام. إذ لم تعد القضية الفلسطينية ومسائل الاحتلال والاستيطان تشكّل محور خلاف سياسي عميق بين النخب والأحزاب الإسرائيلية الأساسية، بل تحوّلت إلى حالة شبه توافق داخل الطيف السياسي الإسرائيلي، باستثناء أصوات هامشية. وقد عزّزت أحداث السابع من أكتوبر 2023 هذا الإجماع، الأقرب إلى طرح اليمين، داخل المجتمع الإسرائيلي وبين الأحزاب الإسرائيلية، وذلك في مقابل تزايد أهمية القضايا الخلافية الداخلية بوصفها محاور مركزية في التنافس الانتخابي.

Related News
حرب كرة القدم.. قصة هدف حرك غزوا
al-ain
16 minutes ago