استراتيجية الدفاع الأميركية... تغيّر جذري ودعم محدود للحلفاء
Arab
1 day ago
share
"لا للمثالية اليوتوبية، نعم للواقعية القاسية"، تقول استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026، التي أصدرتها وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون)، أمس الجمعة، في تماهٍ مع سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية التي بدأت قبل عام، والتي يلخصها البنتاغون في صفحته الرئيسية على موقعه الإلكتروني بالقول إن "الرئيس دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث، أمضيا العام الماضي في الدخول إلى حقبة جديدة تتميّز بالسّلام من خلال القوة". العناوين الرئيسية في وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني الأميركي، التي تصدر كل أربع سنوات، هي بالترتيب: "الدفاع عن الوطن" ثم "ردع الصين في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ من خلال القوة، وليس المواجهة"، وبعدها "زيادة تقاسم الأعباء مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها"، وأخيراً "تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية". سياسة "السلام من خلال القوة" وكذلك استراتيجية الدفاع الأميركية الجديدة التي سبقتها استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي نشرها البيت الأبيض الشهر الماضي، لا تبتعد عن خدمة رؤية ترامب وتصوراته للعالم باعتباره مشروعاً استثمارياً كبيراً، من غزة إلى "مجلس السلام" ففنزويلا، مروراً بمحاولة الاستيلاء على غرينلاند، وصولاً إلى استخدام الرسوم الجمركية سيفاً مسلطاً على الدول للقبول إمّا بصفقات وتسويات أو"وقف الحروب" وفق اتفاقيات هدن هشة، بما تشملها من اتفاقيات جانبية تعطي الأفضلية لواشنطن في الحصول على مواردها من المعادن والطاقة، وكلّها بذرائع الأمن القومي الأميركي حيناً، ومواجهة نفوذ الصين حيناً آخر، إلى جانب تصوير ترامب نفسه، بدون نجاح، "رجل سلام" و"رجل أعمال" عظيماً. توقيت نشر استراتيجية الدفاع الأميركية لكن توقيت إصدار الوثيقة، التي تصدر كل أربع سنوات، والتي تأخرت أشهراً بحسب وسائل إعلام أميركية، إذ أبقاها هيغسيث في أدراج مكتبه منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، يحمل رسائل عدّة تريد إدارة ترامب توجيهها للحلفاء قبل الخصوم. يتصدر "الأمن الداخلي" الاستراتيجية الجديدة، والذي يربطه ترامب بملف ترحيل المهاجرين ومكافحة تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة وما تسميه إدارته "الإرهاب المخدراتي" وهو وصف استخدم في الوثيقة. تقول استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026 أيضاً إنّ الجيش الأميركي يعتزم تقديم دعم "أكثر محدودية" لحلفاء واشنطن في أوروبا الذي سيكونون مسؤولين عن "الدفاع عن أنفسهم"، إلى جانب "ردع الصين" بالتركيز على الدبلوماسية معها. وجاءت الاستراتيجية بعد أشهر من استمرار نشر القوات الأميركية داخل المدن الأميركية، منذ الصيف الماضي، في إجراء نادر من دون موافقة حكام الولايات، بذريعة دعم إدارة الهجرة والجمارك وإجراءاتها في ترحيل المهاجرين التي تقابل بتظاهرات رافضة. ونشرت الوثيقة في نهاية أسبوع من العداء بين إدارة ترامب والحلفاء التقليديين في أوروبا، إذ هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على بعض الشركاء الأوروبيين للضغط من أجل محاولة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، بذريعة الأمن القومي الأميركي، قبل الإعلان عن اتفاق أدى إلى تهدئة الأمور، والتي تبدو أنها لا تزال مفتوحة أمام أسابيع مقبلة من المفاوضات، وسط جهود من حلف شمال الأطلسي "ناتو" للوصول إلى تسوية. وأُعلن عن استراتيجية الدفاع الأميركية كذلك، بعد يوم من إشادة ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ، لمساعدته في التفاوض على صفقة لتمكين منصة تيك توك من مواصلة العمل في الولايات المتحدة، وسط تخفيف عام للتوترات بين البلدين قبل الاجتماع بين الرئيسَين، والذي يأمل البيت الأبيض أن يؤدي إلى مزيد من التعاون الاقتصادي، إذ قال الرئيس الأميركي، الخميس الماضي، إنه سيزور الصين في إبريل/ نيسان المقبل وإن الرئيس الصيني سيسافر إلى الولايات المتحدة أواخر العام الحالي. استراتيجية الدفاع الأميركية الجديدة المؤلفة من 25 صفحة، وتهدف إلى توجيه القرارات المتعلقة بنشر القوات ونشر أسلحة جديدة، لا تكرس الطلاق مع الاستراتيجيات الأميركية السابقة فحسب، أو استمرار التبخيس بإدارة سلف ترامب، جو بايدن، بل تعد تحولاً جذرياً حتى عن الاستراتيجية الدفاعية لعام 2018 في عهد ولاية ترامب الأولى، والتي أعطت الأولوية للصين باعتبارها أكبر تهديد لأمن الولايات المتحدة، فيما تكرّرت هذه الأولوية أكثر في استراتيجية إدارة بايدن لعام 2022، التي اعتبرت كذلك أن روسيا "تهديد خطير". تقول استراتيجية 2026، والتي جرى توضيح العديد من موضوعاتها في ديسمبر/كانون الأول الماضي، عندما أصدر البيت الأبيض استراتيجية الأمن القومي التي انتقدت بشدة الزعماء الأوروبيين، وشددت على تركيز ترامب على نصف الكرة الغربي والمحيط الهادئ، إنّ نهج إدارة ترامب سيكون "مختلفاً جذرياً عن الاستراتيجيات المبالغ فيها التي اتبعتها الإدارات السابقة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة". وتنص وثيقة العام 2026 على أنّ البنتاغون سيعطي "الأولوية للجهود الهادفة إلى إغلاق حدودنا، وصد أي شكل من أشكال الغزو، وترحيل المهاجرين غير النظاميين"، فيما تشير بدرجة أقل إلى التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة من روسيا وإيران وكوريا الشمالية. أميركا اللاتينية وعلى غرار "استراتيجية الأمن القومي" التي نشرها البيت الأبيض مطلع ديسمبر، والتي سردت فشل السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة منذ سنة 1991 جراء شنّ "حروب لا نهاية لها"، وأقامت "تجارة حرة مزعومة"، مروجة "عصراً ذهبياً جديداً" بالاستناد إلى مفاهيم مثل "أميركا أولاً"، و"السلام من خلال القوة" و"الردع"، وضعت استراتيجية البنتاغون أميركا اللاتينية في الأولويات، ووصفت هذا التوجه بـ"ملحق ترامب لعقيدة مونرو". وعقيدة مونرو، بلورها الرئيس الأميركي السابق جيمس مونرو في 1823، واعتبر فيها أن دول أميركا الجنوبية "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، التي لن تسمح لأي قوة خارجية بأن يكون لها وجود فاعل فيها. تغيّرت الأولويات في الاستراتيجية الجديدة، إذ طالبت حلفاء الولايات المتحدة بالسيطرة على أمنهم الخاص، وأكدت مجدداً تركيز إدارة ترامب على الهيمنة في نصف الكرة الغربي قبل هدفها القديم المتمثل في مواجهة الصين. وجاء في الجملة الافتتاحية للوثيقة: "لفترة طويلة للغاية، أهملت حكومة الولايات المتحدة، وحتّى رفضت، وضع الأميركيين ومصالحهم في المقام الأول"، وذكرت أن وزارة الحرب "ستضمن الوصول العسكري والتجاري للولايات المتحدة إلى التضاريس الرئيسية، وخاصة قناة بنما، والخليج الأميركي، وغرينلاند"، وتقول الوثيقة: "سنتعامل بحسن نية مع جيراننا، من كندا إلى شركائنا في أميركا الوسطى والجنوبية، لكنّنا سنضمن احترامهم وقيامهم بدورهم في الدفاع عن مصالحنا المشتركة. وإذا لم يفعلوا ذلك، سنكون على استعداد لاتخاذ إجراءات مركزة وحاسمة تعزز المصالح الأميركية على نحوٍ ملموس". منطقة المحيطين الهندي والهادئ وفي ما يخصّ جنوب شرق آسيا، تقول الوثيقة: "بينما تركز القوات الأميركية على الدفاع عن أرضها ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، سيتحمل حلفاؤنا وشركاؤنا مسؤولية الدفاع عن أنفسهم، مع دعم أساسي ولكن أكثر محدودية من القوات الأميركية"، وذكرت أن "كوريا الجنوبية قادرة على تحمل المسؤولية الأساسية لردع كوريا الشمالية بدعم أميركي حيوي، ولكنه أكثر محدودية"، مضيفة "هذا التحول في ميزان المسؤولية يتماشى مع مصلحة أميركا في تحديث وضع القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية". وتستضيف كوريا الجنوبية حوالى 28.500 جندي أميركي في إطار الدفاع المشترك ضد أي تهديد عسكري تمثله كوريا الشمالية. وفي السنوات الأخيرة، أشار بعض المسؤولين الأميركيين، وفق "رويترز"، إلى وجود رغبة في جعل القوات الأميركية في كوريا الجنوبية أكثر مرونة لاحتمال العمل خارج شبه الجزيرة الكورية للتعامل مع مجموعة أوسع من التهديدات، مثل الدفاع عن تايوان وكبح النفوذ العسكري المتنامي للصين. وفي منطقة المحيطَين الهندي والهادئ أيضاً، قالت الوثيقة إنّ البنتاغون يركز على ضمان عدم هيمنة الصين على الولايات المتحدة أو على حلفاء أميركا، وأضافت من دون ذكر تايوان بالاسم أنه "لا يتطلب هذا تغيير النظام أو أي صراع وجودي آخر. بل إنّ السلام اللائق، بشروط مواتية للأميركيين وفي الوقت نفسه مقبولة للصين وتستطيع العيش في ظلها هو أمر ممكن"، وتقول الصين إنّ تايوان جزء من أراضيها ولم تستبعد استخدام القوة للسيطرة على الجزيرة. وشدّدت استراتيجية البنتاغون على السعي إلى "فتح نطاق أوسع من الاتصالات العسكرية مع جيش التحرير الشعبي (الجيش الصيني)" لتجنب المواجهات غير المقصودة وتخفيف التوترات. أوكرانيا وتنص استراتيجية الدفاع الأميركية أيضاً على أن مساعدة أوكرانيا هي في المقام الأول مسؤولية الدول الأوروبية وتصور روسيا باعتبارها "تهديداً مستمراً ولكن يمكن التحكم فيه لأعضاء ناتو الشرقيين في المستقبل المنظور"، وقال بعض مسؤولي الأمن القومي السابقين إن هذه الاستراتيجية قلّلت من أهمية التهديد الروسي، الذي أصبح ممكناً بفضل تعاونها مع بكين، وقالت جاكلين راموس، لـ"وول ستريت جورنال" الأميركية اليوم السبت، والتي شغلت منصب نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأوراسية خلال إدارة بايدن، إنّ "استراتيجية الدفاع الوطني تتعامل مع أوروبا بشكل أقل بوصفها مرساةً استراتيجية بقدر ما تتعامل معها باعتبارها مصدر إزعاج يجب إدارته"، وأضافت وفق هذا المنظور "يفترض أن أوروبا يمكن أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها حتى مع اشتداد التحدي الروسي الصيني، وهو افتراض ستختبره موسكو". هيغسيث: إدارة ترامب أصلحت النهج تجاه الأمن القومي الشرق الأوسط متفاخراً بالضربات التي نفذها الجيش الأميركي خلال إدارة ترامب الحالية، كتب وزير الحرب بيت هيغسيث في الوثيقة حول الاستراتيجية الجديدة، أن إدارة ترامب "أصلحت النهج الأميركي تجاه الأمن القومي. وانخرطت الولايات المتحدة في موجة من النشاط العسكري منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض ونفذت هجمات في اليمن وإيران وفنزويلا وسورية والصومال ونيجيريا"، وقال في هذا الصدد: "لن يجري صرف انتباه الوزارة بعد الآن عن التدخل والحروب التي لا نهاية لها وتغيير النظام وبناء الأمة"، وأشادت وثيقة الاستراتيجية باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مطلع الشهر الحالي وبضربات يونيو/حزيران ضد المواقع النووية الإيرانية، وبأسابيع من الضربات الجوية ضد الحوثيين في اليمن العام الماضي، ما أدى إلى هدنة وافقت من خلالها الجماعة على عدم مهاجمة السفن الأميركية. ذكرت وثيقة استراتيجية الدفاع الأميركية الجديدة، أنه في ما يخص الشرق الأوسط، فإن "إسرائيل أظهرت أنها قادرة وراغبة في الدفاع عن نفسها بعد الهجمات الوحشية التي وقعت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وباختصار، فهي حليف نموذجي". وتابعت: "لدينا فرصة الآن لتعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها وتعزيز مصالحنا المشتركة"، معتبرة أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن، "بدلاً من تمكين إسرائيل، قيدت يديها". تنص الاستراتيجية على الردع والدفاع ضد إيران ووكلائها واعتبرت الاستراتيجية الجديدة أنه على الرغم من وجود "المنظمات الإرهابية الإسلامية المتدهورة مثل القاعدة وداعش"، فإن هذه "الجهات الفاعلة" تشكل "تهديداً حقيقياً" للولايات المتحدة، وأشارت إلى "إيران ووكلائها"، معتبرة أن إيران "عانت انتكاسات حادة خلال الأشهر الأخيرة"، مضيفة أن قادتها تركوا "الباب مفتوحاً أمام احتمال أنهم سيحاولون مرة أخرى الحصول على السلاح النووي" الذي ترفضه أميركا، وتابعت أنه "على الرغم من أن وكلاء إيران قد تعرضوا للتدهور الشديد، إلا أنهم قد يسعون أيضاً إلى تحقيق ذلك (إعادة تشكيل قوتهم)... ستقوم وزارة الحرب بتمكين الحلفاء والشركاء الإقليميين من تحمل المسؤولية الأساسية، بما في ذلك الردع والدفاع، ضد إيران ووكلائها".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows