Arab
تبدو كلمة "الانحياز" و"الحياد الإعلامي" بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة من المصطلحات الأولى التي تحتاج إلى تفكيك، وربما إلى سحبها من التداول الكسول. وللمفكر العربي عزمي بشارة مقولة مبكرة مفادها أن "الحياد أحد أشكال الانحياز للقوة". على هذا الأساس، يبدو أن كل واحد منا عليه أن ينحاز بالضرورة، وبروح إنسانية تتوخّى العدالة، وإلا فسيكون مجرد حالة ميكانيكية جامدة، لا علاقة لها بمجتمعات إنسانية تتطور.
ضمن هذا التفكير، وفي سعي لتبسيط المركّب، انعقدت صباح اليوم السبت الجلسة الأولى في اليوم الأول من منتدى فلسطين – الدورة الرابعة، تحت عنوان "حرب الإبادة على غزة في وسائل الإعلام الغربية". طُرحت ثلاث مقاربات بإدارة الزميلة الصحافية والكاتبة السياسية لميس أندوني التي غطّت عدة حروب لوسائل إعلام أجنبية وعربية، ووضعت النقاش منذ لحظته الأولى في سياقه: نحن لا نناقش سوء تغطية، بل بنية كاملة تعمل على تطبيع الإبادة.
لسنا حياديين
في السياق الذي يتعرض مباشرة لمسألة الحيادية، كانت ورقة الباحثة في العلاقات الدولية والعلوم السياسية آمنة الأشقر دقيقة ومربِكة في آن واحد: نحن لسنا حياديين، ولا يمكن أن نكون كذلك. فحين نغطي مجزرة، نختار زاوية، نقرّر ماذا نُظهر وماذا نُخفي، نحدّد المسافة، ونضبط الإطار. هذا فعل سياسي بالضرورة، حتى لو ادّعى أصحابه النقاء المهني. وبالتالي، بالنسبة إليها، فإن المشكلة ليست في الانحياز، بل في طبيعته، وفي الجهة التي يخدمها، وفي البنية التي يعمل داخلها.
بهذا المعنى، تخلص الأشقر إلى أن ثمة نوعين على الأقل من هذا الانحياز: انحياز معلن واعٍ، نابع من موقع أخلاقي وسياسي واضح؛ انحياز للضحية، وللحقيقة، وللسياق، والحق التاريخي، من دون أن يتخفى خلف أقنعة مهنية شهدنا مفاعيلها وهي تطرح أسئلة باردة عن الجريمة الواقعة في بث حيّ مباشر، كأنها تسأل عن ترتيبات فعالية ألعاب نارية. في المقابل، هناك انحياز بنيوي متخفٍّ، وهنا بيت القصيد، إذ إن الإعلام الغربي لا يعمل من موقع انحياز أخلاقي مُعلن، بل من داخل بنية قوة. فانحيازه هنا ليس رأياً، بل منظومة سياسية واقتصادية واستعمارية، تلبس لبوس التوازن الموضوعي.
ذهبت الأشقر إلى حفر أعمق حول من يُرى بوصفه إنساناً، ومن يُختزل في خطر، ومن يُمحى من الصورة أصلاً. هنا لا يكون الحياد قيمة مهنية، بل أداة سياسية تُستخدم لتبرير الجريمة عبر مساواتها بالضحية، ولإفراغ اللغة من قدرتها على التسمية. ومن الخلاصات الراسخة في ورقتها تفكيك السياسة البصرية التي أنتجتها الحرب. العنف الإسرائيلي، وفقها، لم يعد يهدف إلى القتل فقط. القتل صار مرحلة أولى؛ المطلوب أن يُرى، أن يُعرض، بل أن يُستعرض. الجريمة تُرتكب أمام الكاميرا لأن العنف بات رسالة تحتاج إلى مُرسِل، والصورة لغته. الجسد الفلسطيني تحوّل إلى سطح كتابة، وبات الحياد منتجاً يومياً للعمى. في المقلب الآخر، حين فرض هذا العنف غير المسبوق في التاريخ المعاصر على جغرافيا بهذه المساحة، بدأ استهلاك الصور العنيفة المرغوب فيها بوحشية من الإسرائيلي. أخطر ما في الأمر تعوّد الصور البشعة، وهو أمر لم نعهده من قبل حتى في حروب الاحتلال السابقة على غزة.
ثلاث تغطيات في الإعلام الغربي
من الصورة نحو النص، انتقلت الجلسة إلى باحث الدكتوراه في دراسات الإعلام في معهد الدوحة للدراسات العليا، جميل قروش، الذي كشف في ورقته أن المشكلة لا تكمن في ما يُقال فقط، بل في ما يُشعَر به. العاطفة داخل الخبر ليست زائدة لغوية، بل إطار توجيه. عاين الباحث تغطيات "نيويورك تايمز" و"ذا غارديان" و"فوكس نيوز" خلال هدنة غزة، وأظهر أن الإعلام الغربي مشحون بالعاطفة، لكنه يوزّعها بظلم فادح. فالتعاطف والحزن والأمل صُرفت بكثافة على الإسرائيليين المُفرج عنهم، بأسمائهم، بصورهم، بعائلاتهم، بتفاصيل حياتهم. الفلسطينيون، في المقابل، ظهروا بصيغة الجمع، في سياق عام تحكمه لغة تبريرية أو تضعهم في الهامش. الألم الإسرائيلي قُدّم بوصفه مأساة إنسانية شخصية، بينما جرى التعامل مع الألم الفلسطيني بوصفه واقعاً معتاداً. هكذا يعمل الإعلام: لا يقول لك صراحة مع من تتعاطف، لكنه يقودك ويدفعك برفق إلى هناك، كأن لا نية لديه سوى قول الحقيقة من دون أي مصلحة أو سوء نية.
ممارسات استعلائية
الشق الثالث من الجلسة حمل صوت التجربة المباشرة في ورقة قدّمتها الصحافية الفلسطينية نضال رافع، وشاركتها بها المحامية والمحللة ديانا بطو. رفضت نضال رافع، كعادتها، تلطيف الكلمات وتدوير الزوايا. بالنسبة إليها، ما يجري في الإعلام الغربي ليس سوء فهم ولا تقصيراً مهنياً، بل ممارسة استعلائية ذات أجندة واعية. الفلسطيني يُشيطن، والإسرائيلي يُؤنسن. المحتل يُقدَّم في موقع الدفاع، والضحية تُسحب منها شرعية المقاومة التي كفلتها كل نظم وأعراف العالم.
فكّكت الورقة الادعاءات المتعلقة بعسكرة المستشفيات، وبيّنت كيف جرى تجاهل الشروط القانونية الصارمة لتحويل منشآت طبية إلى أهداف عسكرية. ومع ذلك، قبلت وسائل الإعلام الغربية هذه الروايات وروّجتها، وامتنعت في بدايات الإبادة عن تسمية المجازر بأسمائها. لم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة خوف مزمن؛ أي انتقاد لإسرائيل يُحوَّل فوراً إلى تهمة جاهزة بالعداء للسامية، كما أضافت.
تحت هذا الخوف، سُوِّق وهم الوجهتين، ووُضع المحتل والواقع تحت الاحتلال في كفّتين متساويتين. الإعلام الغربي قتل السياق بدم بارد حين كان دائماً يبدأ القصة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حين نفذ المقاومون الفلسطينيون عملية "طوفان الأقصى"، وكأن الحصار والاستيطان والقتل والتهجير لم تكن موجودة قبل ذلك. اللغة نُزعت منها قدرتها على الإدانة، والمصطلحات صيغت لإرضاء الجلاد، بما جعل غالبية الصحافيين يأتون إلى هنا خائفين مترددين، ينشدون السلامة على الأقل، باعتبار أن للقاتل والقتيل وجهة نظر، فلنستمع إليهما معاً.

Related News
اصطياد المهاجرين !
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
«مبادلة» تبيع حصتها في «أركاديا لمنتجات العناية الصحية»
al-ain
16 minutes ago
عقدة أرتيتا.. مايكل كاريك ينصب نفسه قاهرا للإسبان
al-ain
17 minutes ago