Arab
بعد مرور ستة أيام على إغلاق جيش الاحتلال الإسرائيلي المنطقة الجنوبية في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، بدأت ملامح أزمة اقتصادية خانقة تطفو على السطح، في ظل شلل شبه كامل أصاب أحد أهم الشرايين الاقتصادية للمدينة. المنطقة المغلقة تضم الكتلة الصناعية الرئيسة في الخليل، بما تشمله من مصانع وشركات ومحاجر ومزارع، تشكّل مجتمعة ثقلًا اقتصاديًا حيويًا، ما انعكس مباشرة على حركة الإنتاج والتجارة، وسط مطالبات متصاعدة من التجار وأصحاب المصانع بالسماح لهم بفتح منشآتهم، في وقت تُقدَّر فيه الخسائر اليومية بمئات آلاف الشواكل.
ويأتي هذا الإغلاق في أعقاب حصار عسكري واسع ينفذه جيش الاحتلال في المنطقة الجنوبية منذ التاسع عشر من يناير/ كانون الثاني الجاري، بذريعة "القضاء على الإرهاب"، غير أن المنطقة المستهدفة، وفق معطيات ميدانية، تُعد في جزء كبير من مساحتها منطقة صناعية بامتياز، كان الاحتلال قد عزّز تطويقها خلال الأيام الماضية عبر نصب بوابتين حديديتين، إلى جانب إغلاق المداخل التي تربط المنطقة الصناعية بالشارع الالتفافي، ما عمّق حالة العزل وشلّ الحركة الاقتصادية بالكامل.
تأثيرات تطاول قطاع المواشي
وفي سياق تداعيات الحصار المفروض على المنطقة الجنوبية في الخليل، تبرز مزارع الأبقار بوصفها أحد أكثر القطاعات الاقتصادية تضررًا، نظرًا لاعتمادها الكامل على نظام المياومة في الإنتاج والتسويق. وفي هذا الإطار، يوضح المزارع إبراهيم الترك، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المنطقة الجنوبية تضم نحو عشرة مزارعين يمتلكون عشر مزارع كبيرة، تحتوي مجتمعة على أكثر من 1400 رأس من الأبقار.
ويشير الترك إلى أن الخسائر التي يتكبدها المزارعون باتت جسيمة ومتراكمة يومًا بعد يوم، إذ يتم إتلاف عشرات الأطنان من الحليب يوميًا نتيجة منع وصول المصانع وشاحنات النقل إلى المزارع. ويؤكد الترك أن عشرات الأبقار باتت مهددة بالنفوق، في ظل النقص الحاد بالأعلاف وصعوبة إدخالها، إلى جانب تأثير برودة الطقس على الحيوانات.
ووفق الترك، فإن هذه المزارع كانت تورد يوميًا ما يقارب 70 طنًا من الحليب إلى مختلف مناطق محافظة الخليل، إلا أن هذه الكميات تُتلف بالكامل في ظل الإغلاق، ما يعني خسائر مالية تتجاوز 200 ألف شيكل (63.5 ألف دولار) يوميًا من الحليب فقط، دون احتساب باقي التكاليف التشغيلية. ويلفت الترك إلى أن الأضرار لا تقتصر على أصحاب المزارع، بل تمتد إلى مئات العاملين الذين يعتمدون على هذا القطاع مصدر رزق أساسيًا، إذ يعمل في هذه المزارع مئات العمال بنظام المياومة ويتكبدون خسائر فادحة مع استمرار الإغلاق.
ويحذر الترك من أن استمرار إغلاق المنطقة سيقود إلى خسائر بملايين الشواكل خلال الأيام المقبلة، مؤكدًا أن مزارع الأبقار في المنطقة لا تحتمل التوقف القسري، ومطالبًا بالحد الأدنى بالسماح بإدخال الأعلاف عاجلًا، لتأمين الغذاء للحيوانات ومنع كارثة زراعية واقتصادية وشيكة.
تهديد سلاسل الإنتاج
في ظل استمرار إغلاق المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، يؤكد رئيس غرفة تجارة وصناعة الخليل، عبده إدريس، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الجهود تُبذل منذ الخميس، للتواصل مع الشؤون المدنية الفلسطينية من أجل التنسيق مع الجانب الإسرائيلي لإدخال الأعلاف والمواشي، باعتبارها جزءًا أساسيًا من سلسلة التوريد وعنصرًا حيويًا في الاقتصاد المحلي لهذه المزارع.
ويشير إدريس إلى أن تعطّل هذه السلسلة يهدد قطاعات إنتاجية كاملة، ويعمّق حدة الأزمة الاقتصادية في المحافظة. ويوضح إدريس أن المنطقة الصناعية وجبل جوهر المستهدف بالحصار العسكري، تُعدان من أبرز المناطق الصناعية في الخليل، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من مناشير الحجر هناك أُغلق قسرًا، رغم كونها ركيزة أساسية في اقتصاد المدينة.
ويبيّن إدريس أن العشرات من المصانع والشركات الكبرى في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل باتت مغلقة ومتضررة تلقائيًا، مشيرًا إلى أن تذرّع الاحتلال باستهداف المنطقة ضمن حملة على السلاح هو أمر "غير دقيق"، موضحًا أن "السلاح ليس أمرًا جديدًا في المنطقة"، وأن الهدف الحقيقي، وفق تقديره، يتمثل في "خلق بيئة طاردة للسكان، ودفعهم إلى التهجير، وزيادة الضغط على الاقتصاد الفلسطيني"، لا سيما أن الخليل تُعد أكبر محافظة اقتصادية في الضفة الغربية.
بطالة قسرية
وحول حجم الخسائر، يلفت إدريس إلى أن الضرر الاقتصادي كبير، إلا أن غياب الإحصاءات الدقيقة يعود إلى استمرار العملية العسكرية والإغلاق. ومع ذلك، يشدد إدريس على أن هذه المنطقة كانت تضخ يوميًا مئات آلاف الشواكل في السوق المحلي، وهو تدفق مالي توقف بالكامل مع فرض الحصار.
ويشير إدريس إلى أن المنطقة الجنوبية تضم منشآت صناعية وتشغيلية كبرى يعمل فيها ما لا يقل عن سبعة آلاف شخص، إضافة إلى آلاف آخرين في المحال التجارية الصغيرة كالبقالات والمتاجر، جميعهم باتوا اليوم بلا عمل نتيجة الإغلاق الكامل. ويؤكد إدريس أن الاقتصاد المحلي للخليل يتركز إلى حد كبير في المنطقة الجنوبية، فضلًا عن أن نحو 30% من سكان المدينة يعيشون فيها، ما يجعل أي شلل يصيبها ينعكس مباشرة على اقتصاد الخليل بأكملها.
ويحذّر إدريس من أن الجو العام الذي يسعى الاحتلال إلى فرضه سيؤدي إلى انكماش اقتصادي واضح، وتغيير وجهة الناس في العمل والاستثمار داخل المدينة، مع تراجع ملحوظ في الحركة التجارية. ويؤكد إدريس أن الخليل تعاني أصلًا من صعوبات في الحركة الاقتصادية بسبب الحصار المفروض عبر إغلاق البوابات على مداخلها، ولا سيما المداخل الشرقية والجنوبية المحاذية للمنطقة الصناعية، معتبرًا أن العملية العسكرية الحالية تمثل استكمالًا لإجراءات حصار اقتصاد المدينة.
ويعرب إدريس عن مخاوف حقيقية من عدم إزالة بوابتين حديديتين نُصبتا داخل المنطقة الجنوبية، واحتمال استخدامهما لاحقًا لإغلاق الطرق وتعقيد الوصول إلى المصانع والمحلات التجارية. ويشير إدريس إلى أن الهدف مما يجري هو "إفقار الفلسطينيين في الخليل، وتعقيد حياتهم، وجعل المدينة بيئة غير مشجعة للاستثمار"، لافتاً إلى أن الغرفة التجارية تتواصل يوميًا مع السلطة الفلسطينية والارتباط الفلسطيني للضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل إدخال المواد الغذائية وفتح المحلات والمصانع، إلا أن مستوى الاستجابة الإسرائيلية، بحسب وصفه، "لا يرقى إلى الحد الأدنى المطلوب".

Related News
مستقبل عمر مرموش.. قرار حاسم ينهي الجدل
al-ain
8 minutes ago
تعاني من الصداع النصفي؟ تجنب هذه الفاكهة الشائعة
aawsat
16 minutes ago
أحمد الطرابلسي.. «مونديالي» احتكر كأس الخليج
al-ain
20 minutes ago