Arab
أكد محمد كتوب، المندوب السوري الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، أن الحكومة السورية الجديدة ترحب باستمرار التحقيقات الدولية الخاصة بتحديد هوية مرتكبي الجرائم باستخدام الأسلحة الكيميائية، مؤكداً أن التقرير الخامس الصادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن استهداف مشفى المغارة في كفر زيتا عام 2016 "يحمل دلالات سياسية وقانونية بالغة الأهمية، خاصةً في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد".
وأوضح كتوب، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن رؤية وزارة الخارجية والمغتربين لهذا الملف "تقوم أولاً على حماية السكان من بقايا ومخلفات الأسلحة الكيميائية، عبر فرق متخصصة تعمل على الكشف عن المواقع المشتبه بها، وثانياً على تحقيق العدالة للضحايا ومساءلة الجناة وملاحقتهم قضائياً، وذلك استناداً إلى تحقيقات الفرق الوطنية والتعاون مع فرق التحقيق الدولية".
ولفت إلى أن "هذا التقرير هو الأول الذي يصدر بعد تحرير البلاد من النظام السابق، ما يبعث برسالة واضحة مفادها أن سقوط نظام الأسد لا يعني توقف التحقيقات أو جهود المساءلة، بل على العكس، فقد شكّل فرصةً للوصول إلى مزيد من الأدلة". وذكر أن التقرير أدان "قوات النمر" بارتكاب جريمة استهداف مشفى المغارة، مذكّراً بأن "هذه ليست المرة الأولى التي يدين فيها فريق التحقيق هذه المجموعة وقائدها، الذي لا يزال طليقاً".
وأضاف كتوب أن المرحلة الحالية "تتيح فرصةً حقيقية لتعاون الدول التي دعمت مسارات المساءلة سابقاً، وكذلك الأجهزة القضائية الدولية التي حققت في الجرائم المرتكبة في سورية، مع الحكومة السورية الجديدة، من أجل ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم وأفراد مجموعاتهم أينما وجدوا".
وفي ما يتعلق بتأكيد مدير عام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن السلطات السورية الجديدة قدمت أول تعاون فعلي مع فريق التحقيق والتعرّف (IIT)، أوضح كتوب أن "الفرق الوطنية السورية تبذل جهوداً واسعة للتعاون مع فرق التحقيق الدولية، بمشاركة وزارات الدفاع والعدل والداخلية والصحة والطوارئ وإدارة الكوارث، إضافةً إلى هيئة العدالة الانتقالية، وبتنسيق كامل من وزارة الخارجية والمغتربين، بما يضمن تسهيل وصولها إلى مواقع الاستهدافات السابقة، والأدلة، والشهود، والوثائق ذات الصلة".
وبيّن أن فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة كان يعمل منذ تأسيسه عام 2018 من خارج الأراضي السورية، في ظل منع النظام السابق دخوله البلاد بشكل كامل. وبعد التحرير، ولا سيما منذ الزيارة الأولى لمدير المنظمة إلى سورية في فبراير/ شباط 2025، سهلت الحكومة السورية وصول الفريق إلى مواقع الاستهداف، وإلى أدلة وصفها بـ "المهمة جداً"، وأسهمت في بناء التقارير الأخيرة بشكل محكم.
وحول ما إذا كان هذا التعاون يمثل "تغييراً جذرياً في موقف الدولة السورية مقارنةً بسياسات الإنكار والمماطلة التي اتبعها النظام السابق"، شدد كتوب على أن "الأمر يتجاوز مجرد تغيير في الموقف"، مؤكداً أن "سورية اليوم دولة مختلفة، تتعامل بمسؤولية مع حقوق الضحايا ومع التزاماتها الدولية، وتواجه إرثاً خلفته عصابة إجرامية حكمت البلاد لأكثر من خمسين عاماً".
وأضاف أن الدولة السورية الجديدة "منفتحة بالكامل على التعاون مع أجهزة التحقيق الدولية، بما يضمن تيسير عملها والوصول إلى الحقيقة بشأن الجرائم المرتكبة باستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل نظام الأسد"، مؤكداً أنه "لا يمكن بأي حال تحميل سورية سياسات الإنكار والمماطلة التي مارسها النظام السابق". وكشف في هذا السياق عن "نجاح الجهود السورية في تغيير تسمية الملف الكيميائي على جدول أعمال منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ليصبح البرنامج الكيميائي لحقبة الأسد"، بدلاً من "برنامج الجمهورية العربية السورية".
وفي ما يخص المسار القضائي، أوضح المتحدث ذاته أن رؤية الدولة السورية "تتمثل في إحالة نتائج هذه التقارير إلى القضاء الوطني السوري، لمعالجتها في إطار الإصلاحات الجارية في الجهاز القضائي، والجهود القانونية التي تقودها وزارة العدل، إلى جانب الآليات التي تعمل هيئة العدالة الانتقالية على بنائها". وأشار إلى أن "فرار عدد كبير من الضباط الكبار المسؤولين عن هذه الجرائم إلى خارج البلاد يستوجب تعاوناً وثيقاً بين أجهزة التحقيق الدولية والقضاء السوري لمساءلتهم".
أما بشأن التعامل مع الضباط أو المسؤولين الذين يرد ذكرهم أو يُشتبه بتورطهم في هذه الهجمات، سواء داخل سورية أو خارجها، فأكد كتوب وجود تقدم في متابعة ملفات عدد منهم بالتنسيق بين مكتب النائب العام ووزارة الداخلية، مع استمرار التحقيقات الجارية، ومقاطعة المعلومات، والتعاون مع فرق المنظمة، سواء للوصول إلى مواقع مشتبه بها أو لتحديد المتورطين بشكل دقيق. كما شدد على أن "مصير هؤلاء سيكون القضاء، الأمر الذي يتطلب تعاوناً من الدول التي لجأ إليها المتهمون خارج البلاد".
وكانت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قد أعلنت، في تقرير صدر يوم أمس الخميس، أن نظام الأسد استخدم غاز الكلور في هجوم كفر زيتا بريف حماة عام 2016، مؤكدةً أن الهجوم أسفر عن إصابة 35 شخصاً، وتعرّض العشرات لأعراض الاختناق. كما أشارت إلى أن أمانة المنظمة ستواصل التحقيق لتحديد المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، لافتةً إلى أن "دمشق أعادت الالتزام الكامل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية بعد سقوط نظام الأسد عام 2024".
