Arab
تبرز في الفترة الأخيرة سلسلة تصريحات لكبار المسؤولين الحكوميين في الجزائر، تتضمن اعترافات بالفشل في بعض السياسات العمومية والإخفاق في بعض القطاعات ذات الصلة بتدبير وتسيير الشأن العام، في خطوة تحمل قدرا مهما من الجرأة السياسية والرغبة في المكاشفة ومواجهة الحقائق، غير أن ذلك يدفع أيضا إلى التساؤل ما إذا كان ذلك استفاقة سياسية أم مجرد تشخيص للمشكلات، لا يعفي الحكومة عن المسؤولية في هذه الإخفاقات.
وفي خطابه السنوي الأخيرة أمام البرلمان، نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد أقر بالفشل الحكومي الفادح في تطوير قطاع تريبة المواشي وشعبة اللحوم في البلاد، رغم الدعم الكبير الذي توجهه الدولة للمربين، من خلال دعم أسعار الأعلاف وتسهيل القروض وغيرها، وأبدى استياءه من عدم تحقيق أي تقدم في هذا القطاع، ما دفع الحكومة إلى الإسراع إلى عقد سلسلة اجتماعات للبحث عن معالجات عملية وحلول ميدانية لتجاوز الوضع القائم.
وفي أحدث تصريحات على هذا الصعيد، أقرت وزيرة الثقافة مليكة بن دودة، بفشل القطاع في تحريك الفعل الثقافي في الولايات، وقالت خلال اجتماع لمديري الثقافة في الولايات الـ 69، عقد في العاصمة الجزائرية على مدار اليومين الماضيين: "أقولها بكل صراحة، لقد بات الوضع الثقافي في حالات كثيرة، مرادفا للرتابة والعطالة، وبعض الأنشطة تبدو مكررة وبدون فائدة، بعض الولايات تعطّلت ثقافيا إلى درجة كبيرة هناك"، وأضافت أن "هناك غياباً للتنسيق بين إطارات القطاع بسبب خلافات وحساسيات شخصية في الولايات".
وقبل ذلك كان وزير الداخلية والنقل السعيد سعيود، قد أكد في لقاء مع عدد من الوزراء، خلال حديثه عن الفيضانات التي تشهدها بعض مناطق البلاد في فصل الشتاء، أنه "من غير المقبول أن تُغرق أمطار بمقدار 20 مليمتراً فقط المدن، ما يضطر المواطنون إلى قضاء الليل في العراء، ثم نخرج بصفتنا مسؤولين منتعلين الأحذية المطاطية والسترات الصفراء، كأننا أبطال ومنقذون، في الحقيقة نحن لسنا أبطالاً، نحن مجرمون"، مشيرا إلى أن هناك "إهمالاً من السلطات لصيانة المجاري خلال الصيف، وهناك اتكالية بين الجهات الحكومية، بحيث كل جهة كانت تنتظر الأخرى لتنجز المهمة".
أيضاً في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي كان وزير الزراعة الجزائري ياسين وليد قد اعترف بوجود مشكلات جدية بشأن مصداقية الأرقام ذات الصلة بقطاع الزراعة، ووصفها بأنها "أرقام كاذبة"، وقال في مؤتمر صحافي حينها: "لدينا مشكل كبير مع الأرقام، الأرقام في قطاع الفلاحة لا تمت بصلة إلى الحقيقة، وبعض الأرقام هي أنصاف حقائق، وأنصاف الحقائق أكبر من الأكاذيب"، وهو التصريح الذي سحب لاحقا من وسائط التواصل الاجتماعي، بسبب الجدل الكبير الذي أثاره في الجزائر.
وبدت هذه التصريحات وغيرها مفاجئة أحيانا وصادمة أحيانا أخرى للرأي العام الجزائري، لكون هذا الأخير لم يتعود على سماع هذا النوع من التصريحات من المسؤولين في الجزائر، غير أن هذه الاعترافات من كبار المسؤولين في الدولة والحكومة بشأن الفشل السياسي في إدارة ملفات أو قطاعات بعينها، تثير مواقف متباينة في أوساط النخب الجزائرية.
"تبرير للعجز"
الناشط الثقافي أنور اسم الله علق على ما يخص تصريحات وزيرة الثقافة التي تقر فيها بالوضع السلبي للقطاع الثقافي، وكتب تقدير موقف، أكد فيه أن "الدولة، عبر وزارتها، لا تُقاس بنبرة الاعتراف بالأزمة فقط، بل بقدرتها على تحويل هذا الاعتراف إلى سياسات عمومية واضحة"، مضيفا أن "وظيفة الوزارة ليست توصيف المرض على المنصات، بل بناء آليات علاج واضحة، والوزارة، بدل أن تكون جهة تشخيص فاعل وصانع قرار، تحولت تدريجيًا إلى طرف يشتكي، وكأنها تقف خارج المنظومة لا في قلبها. وهذا انزلاق خطير في منطق المسؤولية؛ لأن الشكوى حين تصدر عن صاحب القرار، تفقد معناها الإصلاحي وتتحول إلى تبرير ضمني للعجز".
لكن تقديرات ومواقف أخرى تنظر إلى تصريحات المسؤولين التي تتضمن اعترافات بالفشل السياسي والقطاعي، على أنها خطوة أولى إلى مسار تصحيح السياسات العمومية، بدلا من الاستغراق في خطاب الإشادة أو المغالطات البعيدة عن الواقع، وتحول نحو خطاب اتصالي مسؤول يقوم على المكاشفة السياسية ومواجهة الحقائق كما هي.
"تحول إيجابي"
ويؤكد الباحث في الشؤون السياسية، عبد العالي زواغي لـ"العربي الجديد"، أن "خروج بعض المسؤولين بتصريحات تكشف عن قصور في أداء القطاعات التي يشرفون عليها، وتسجيلهم للكثير من النقائص التي تعتري الأداء والتسيير، يمكن اعتباره تحولا لافتا وإيجابيا في نوعية الخطاب والاتصال السياسي للمسؤولين الجزائريين، فهو يحمل في طياته شفافية اتصالية ضرورية المعمار الديمقراطي، من الواجب أن يتصف بها الأداء الحكومي، عبر الكشف عن الخلل وإطلاع الجمهور على نقاط الضعف المسجلة، لاسيما في القطاعات والقضايا المهمة المتصلة بحياة المواطنين، والعمل في نفس الوقت على إيجاد الحلول الكفيلة بتجاوز الإخفاقات وتهيئة الرأي العام لتقبل الإصلاحات والانخراط فيها".

Related News
الإصابة تُبعد نيريس عن نابولي شهرين
aawsat
23 minutes ago
شقيقة سعاد حسني تدعو لتناول سيرتها درامياً من خلال أسرتها
aawsat
23 minutes ago