Arab
إن فكرة التعليم، بالمعنى العام، تقوم على تقديم العلوم الإنسانية والعلمية بصورة تراكمية، تهدف إلى تنمية قدرات الطالب العقلية، وتوسيع أفقه المعرفي، وبناء شخصيته النقدية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدّة هو: هل ما نعيشه فعلاً هو تعليم، أم مجرد ممارسة شكلية فقدت جوهرها وتحولت إلى استهلاك للجهد والزمن؟
بالحديث عن التعليم في العراق، ومنذ سنوات طويلة سبقت عام 2003 واستمرت بعده، يمكن القول إن العملية التعليمية ظلّت، إلى حدٍّ كبير، تلقينية، قائمة على الحفظ المؤقت لا على الفهم، وعلى اجتياز الامتحان لا على إنتاج المعرفة. يحفظ الطالب اليوم لينسى غدًا، وكأن التعليم تحوّل إلى واجب زمني ثقيل، أو ضريبة يؤديها الفرد للمجتمع، لا إلى مشروع حقيقي لبناء العقل واكتشاف الوجود.
ورغم التطور الكبير في التكنولوجيا وتدفّق المعلومات، لا تزال أدوات التعليم وأساليبه في مختلف المراحل الدراسية، وصولًا إلى التعليم الجامعي، أسيرة نماذج كلاسيكية متقادمة. قد نستخدم أبنية حديثة أو سبورات ذكية، لكن الفلسفة التعليمية ذاتها لم تبارح مكانها؛ كمن يستخدم محراثًا لقطع بصلة صغيرة، حيث تُهدر الإمكانات التقنية الهائلة في خدمة مناهج جامدة تعتمد مبدأ "الكم" على حساب "الكيف".
في هذا السياق، يشير المفكر الكندي آلان دونو في كتابه الشهير (نظام التفاهة) إلى أن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية باتت رهينة نظام يهيمن عليه "المتوسطون" والمصالح التجارية، حيث تُفرغ المعرفة من مضمونها النقدي، ويتحول التعليم إلى سلعة، والمثقف إلى مجرد موظف يروّج السوقَ بدلًا من مساءلته. ويدعو دونو إلى مقاومة هذا الواقع عبر استعادة جوهر التعليم بوصفه فعلًا نقديًّا وإبداعيًّا، لا مجرد أداة لإنتاج التروس في ماكينة الاستهلاك.
وعندما تسأل طالبًا في المرحلة الإعدادية عن طموحه وأحلامه المستقبلية، غالبًا ما يجيب مباشرة عن الجامعة التي تضمن له فرصة عمل أسرع. وهذا لا يدل على انعدام الطموح بقدر ما يكشف عن تحوّل الطموح نفسه إلى حسابات مادية بحتة، منفصلة تمامًا عن الشغف والميول والابتكار. إن هذا التفكير نتيجة طبيعية لأنظمة اقتصادية ريعية غير مخططة، وسوق عمل محدودة، جعلت الشاب محاصرًا بخيارات ضيقة، يرى التعليم من خلالها مجرد وسيلة للوظيفة لا فضاءً لاكتشاف الذات وبناء المعنى.
أتذكر يومًا وأنا أوبّخ أحد طلابي بسبب كسله وإهماله لدروسه، فقلت له بنبرة الواعظ: "تخرج من الإعدادية وحقق أحلامك". حينها ابتسم الطالب بسخرية مريرة، وهي ردّة فعل لم تعجبني بل جعلتني أستفهم عن سببها. حين رأى الامتعاض على وجهي، خجل من ردّة فعله ووقف ليجيبني بانكسار: "أعتذر أستاذ، لكن أختي تخرجت من كلية القانون، وابن عمي تخرج من كلية الإدارة والاقتصاد، والاثنان لم يجدا عملًا، فعن أي مستقبل وطموحات تتحدث؟".
وقفتُ حينها صامتًا، لم أعرف بماذا أجيبه، وكيف أعبر به بوابة الأمل الموصدة بواقع اقتصادي مرير، فاكتفيتُ بالقول: "الشهادة ليست للوظائف فقط، بل لتحقيق الذات". يبدو أنه لم يستوعب ما أردتُ قوله، أو لعله أراد أن يباغتني بسؤال أشد قسوة: "بماذا أحقق مستقبلي؟ هل بالذات فقط؟"، لكنه آثر الخجل والصمت.
إن هذا الشرخ بين التعليم والواقع هو السبب الرئيس وراء قلّة القراء وخواء المجتمعات؛ فاضمحلال الرغبة في المعرفة يعود إلى ضعف شكل التعليم ومناهجه التي تدفن المواهب. نحن نحتاج إلى مناهج توسّع مخيلة الطالب، وتجعل منه نموذجًا لشخص يفكر، شخص يصعب انقياده أو السيطرة على عقله، يمتلك قناعاته المنطقية، ويطرح أفكارًا خارج الصندوق، يمتلك بوصلة داخلية توجهه نحو ما يرغب، لا نحو ما تمليه عليه رغبات سوق العمل المتقلبة.
وهنا لا يصبح السؤال: هل التعليم ضياع للوقت؟ بل: أيّ تعليم نريد؟ تعليم يعيد إنتاج التفاهة، أم تعليم يخلق إنسانًا قادرًا على التفكير، والاختيار، وصناعة مستقبله بوعي؟