Arab
كشفت هيئة الإذاعة والتلفزة الدنماركية (DR)، صباح اليوم الجمعة، أن كوبنهاغن أصدرت في وقت متأخر من الأسبوع الماضي، أوامر عسكرية مباشرة لجنودها في غرينلاند باستخدام الذخيرة الحية والاستعداد للقتال في حال تعرض الجزيرة لهجوم عسكري، بما في ذلك سيناريو غير مسبوق يتمثل في تدخل عسكري أميركي محتمل.
ووفق ما أوردته الهيئة، فإنّ الدنمارك سارعت إلى تعزيز وجودها العسكري عبر حشد عناصر مدرّبة على القتال في الظروف القطبية القاسية، مستخدمة وسائل نقل مدنية إلى جانب العسكرية. وشمل ذلك نقل عناصر من قوات النخبة، عبر مطارات عدة، بينها مطار ريكيافيك في آيسلندا. وقد لاحظ مراسل "العربي الجديد" مجموعات من جنود دنماركيين بلباس مدني يحملون جوازات سفر دبلوماسية، فيما جرى تحميل حقائب مغلقة بإحكام تحتوي على بنادق ومسدسات على متن طائرات مدنية تتبع للخطوط الآيسلندية، بحضور صحافيين من دول أوروبية عدة.
جاء هذا الانتشار السريع وغير المعلن في إطار حالة قلق متصاعدة داخل كوبنهاغن إزاء أي مساس محتمل بسيادة المملكة ووحدة أراضيها، التي تضم الدنمارك وغرينلاند وجزر فارو. ورغم الفارق الكبير في موازين القوة بين الدنمارك والولايات المتحدة، فإن هذه التحركات تشير إلى أن المخاوف الدنماركية لم تكن رمزية؛ فبحسب معلومات هيئة الإذاعة والتلفزة الدنماركية، فقد استندت الأوامر إلى تقييمات سياسية وعسكرية صادرة عن أعلى مستويات صنع القرار، في أزمة وُصفت داخل الأوساط الرسمية بأنها من أخطر التحديات التي واجهت "مملكة الدنمارك" منذ عقود.
وجاءت هذه الاستعدادات قبل يومين فقط من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال خطاب ألقاه في قمة بسويسرا، تراجعه العلني عن التهديد باستخدام القوة للسيطرة على غرينلاند، ما يسلّط الضوء على حجم التصعيد الذي سبق هذا التراجع، وحدّة المخاوف التي حكمت القرار الدنماركي في تلك المرحلة.
أوامر استثنائية واستعداد بذخيرة حية
الأمر العسكري، المؤلف من صفحات عدّة، نصّ صراحة على ضرورة تعزيز القدرة الدفاعية وتنفيذ خطة الدفاع عن غرينلاند بأقصى سرعة ممكنة. ووفقاً لما كشفته هيئة الإذاعة والتلفزة الدنماركية، فإن الأمر شمل نقل ذخيرة حية من نوع إلى العاصمة نوك، على أن تكون في متناول الجنود، بما يتيح بدء القتال فوراً إذا استدعت الظروف.
وتتجاوز هذه الخطوة إطار المناورات التقليدية، إذ تعكس، بحسب خبراء عسكريين، "استعداداً فعلياً لاحتمال المواجهة". ونقلت الهيئة عن أستاذ الدراسات الحربية في جامعة جنوب الدنمارك وخبير شؤون الناتو، ستين رينينغ، قوله إنّ ما جرى "ليس تدريباً رمزياً أو استعراضاً عسكرياً"، بل جزء مباشر من خطة الدفاع ويمثل "جوهر العملية"، ويصف رينينغ القرارات التي اتخذتها كوبنهاغن بأنها "تاريخية"، مضيفاً: "لم أكن أتخيل أن تصل الدنمارك إلى مرحلة ترسل فيها جنوداً للتدرب على خطة دفاعية بذخيرة حية، وربما بهدف ردع الولايات المتحدة نفسها".
عملية "الصمود القطبي" في غرينلاند
وصدرت الأوامر ضمن عملية عسكرية واسعة تحمل اسم "الصمود القطبي"، وهي عملية متعددة المراحل لا تزال جارية في غرينلاند، وتشمل إمكانية إرسال مزيد من القوات والقدرات العسكرية لاحقاً، وأشارت الشبكة إلى أن سريتها تمنعها من نشر كل تفاصيلها. وتهدف العملية، وفق نص الأمر، إلى "تعزيز وجود القوات المسلحة الدنماركية ومستوى نشاطها في غرينلاند، لإظهار الإرادة والقدرة على الدفاع عن سيادة المملكة ووحدة أراضيها".
ورغم أن التخطيط للعملية كان قائماً منذ فترة، تشير معلومات هيئة الإذاعة والتلفزة الدنماركية، إلى أن تطورات حديثة دفعت إلى تسريع تنفيذها على نحوٍ مفاجئ، من دون إعلان رسمي عن أسباب هذا التسريع. وخلال أيام قليلة، رُصدت طائرات عسكرية ومدنية تنقل الجنود والمعدات من الدنمارك إلى غرينلاند بوتيرة منتظمة، في مؤشر على الانتقال من الجاهزية النظرية إلى الانتشار الميداني.
تأهب بري وبحري وجوي
على الأرض، انتشرت قوات "كبيرة" من الجيش الدنماركي، وفق توصيف رسمي، وشمل الانتشار جنود مشاة مدرعين من فوج تنين يوتلاند، إحدى الوحدات الأساسية في ما يُعرف بـ"قبضة الجيش" الدنماركي، إلى جانب وحدات من فوج المهندسين في سكايف، المتخصصين في إزالة الألغام وبناء التحصينات القتالية، وأُسكنت القوات في منشآت مدنية، بينها قاعات رياضية ومرافق عامة في العاصمة نوك ومناطق أخرى.
بحرياً، عزّزت الدنمارك وجودها في المياه المحيطة بغرينلاند بانضمام الفرقاطة "بيتر ويليموس" إلى العمليات في أقصى شمال الأطلسي. وجوياً، نقلت طائرات "هيركوليز" أفراداً ومعدات إلى الشمال، فيما نفذت مقاتلات "إف-35" الدنماركية أولى دورياتها فوق أجواء غرينلاند، كما شاركت قوات من دول أوروبية حليفة ضمن حلف الناتو، بينها السويد والنرويج وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة، في إطار انتشار وتدريبات مشتركة في البيئة القطبية.
إرادة سياسية عابرة للأحزاب
سياسياً، تؤكد مصادر لهيئة الإذاعة والتلفزة الدنماركية، وجود توافق واسع داخل الدنمارك على الاستعداد للدفاع عن غرينلاند، شمل الحكومة وأحزاباً معارضة من مختلف الأطياف، بمن فيهم اليسار. ولم ينبع هذا التوافق من اعتقاد بإمكانية مجاراة الولايات المتحدة عسكرياً، ولا من ترجيح سيناريو الهجوم، بل من قناعة بضرورة رفع الكلفة السياسية لأي خيار عسكري أميركي محتمل.
وفي هذا السياق، قالت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن إنّ الرئيس الأميركي "لم يستبعد، للأسف، استخدام القوة العسكرية"، مضيفة: "لذلك لا يمكننا نحن أيضاً استبعاد ذلك"، بحسب هيئة البث العام في كوبنهاغن.
أزمة عسكرية انتهت... وسياسية مستمرة
ورغم تراجع ترامب العلني عن خيار القوة، يرى خبراء أن الأزمة لم تُطوَ بالكامل. فبحسب ستين رينينغ، فقد "انتهت الأزمة العسكرية، لكن الأزمة السياسية المتعلقة بالسيادة لم تنتهِ بعد". ويشير إلى أن ما جرى هو دفع الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى البحث عن "مسار هبوط" داخل الإطار الأطلسي، عبر مناقشات حول اتفاقية محتملة لتعزيز الأمن في القطب الشمالي.
في المقابل، ترفض وزارة الدفاع الدنماركية التعليق على الوثائق السرية للأوامر التي نشرتها هيئة الإذاعة والتلفزة الدنماركية، مؤكدة أن الهدف المعلن لتعزيز الوجود العسكري يقتصر على تدريبات مشتركة في الظروف القطبية الخاصة، وأن مناورات "الصمود القطبي" ستستمر طوال عام 2026 "براً وبحراً وجواً". لكن ما كشفته الشبكة يوضح أن غرينلاند لم تعد مجرد ملف جيوسياسي نظري، بل تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لحدود السيادة، وصلابة التحالفات، وإمكانية الانزلاق إلى استخدام القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

Related News
علاج للنقرس يقي من أمراض القلب والدماغ
aawsat
10 minutes ago
روديغير وأرنولد يقتربان من العودة للمشاركة مع ريال مدريد
aawsat
10 minutes ago