Arab
بعد أشهر من الصمت القسري الذي فرضه القصف والتدمير، بدأت بعض الإذاعات المحلية الفلسطينية في قطاع غزة تعود تدريجياً إلى الحياة، مستعيدة صوتها عبر البث الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لكسر العزلة وإعادة وصل ما انقطع مع الجمهور، بعدما دمّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي مقراتها وأبراج الإرسال ومصادر الطاقة خلال الحرب.
لم يكن صمت الإذاعات المحلية خياراً، بل نتيجة واقع قاسٍ فرضته آلة الحرب التي لم تكتفِ باستهداف الحجر والبشر، بل طاولت الصوت ذاته، في محاولة لعزل الفلسطيني عن نفسه وعن محيطه. فمع الأيام الأولى للعدوان، تحوّلت مقرات الإذاعات إلى ركام، وأبراج الإرسال إلى هياكل مدمّرة، فيما غابت الكهرباء والوقود والإنترنت، لتُسدل ستارة ثقيلة على واحدة من أهم وسائل تواصل الناس مع الحقيقة، في وقت كانوا بأمسّ الحاجة فيه إلى المعلومة والكلمة والطمأنينة.
وسط هذا المشهد، وجدت الإذاعات المحلية نفسها أمام اختبار وجودي غير مسبوق: كوادر نازحة وأجهزة محطّمة وبث متوقف بالكامل، في ظل استهداف ممنهج طاول كل مقومات العمل الإعلامي.
ومع ذلك، لم ينطفئ الإيمان بدور الإذاعة صوتاً للناس وذاكرة للمكان، فبدأت محاولات شاقة للعودة عبر الفضاء الرقمي بإمكانات محدودة، لتتحوّل هذه العودة التدريجية إلى رسالة صمود وتحدّ، وخطوة أولى نحو استعادة الأثير وكسر الصمت المفروض.
يوضح مدير إذاعة زمن إف إم، رامي الشرافي، أن الاحتلال الإسرائيلي استهدف، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الحقل الإعلامي بكل مكوناته، وبشكل خاص الإعلام المحلي، مشيراً إلى أن 23 إذاعة كانت تعمل في قطاع غزة قبل العدوان، دمّر الاحتلال جميع مقراتها، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة بالكامل.
يضيف، متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أن الإذاعات تعتمد على أجهزة بث تقليدية، أبرزها أجهزة "ترانسميتر" التي تحتاج إلى تيار كهربائي عالي الجودة، في حين دمّر الاحتلال جميع مصادر الطاقة ضمن سياسة ممنهجة لإسكات الصوت الفلسطيني وتغييب الرواية الفلسطينية.
ورغم ذلك، استمرت إذاعة زمن خلال الحرب في تقديم خدماتها الإعلامية عبر موقعها الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، ويفيد الشرافي بأن الطواقم تعمل على إعادة الإذاعة إلى الأثير رغم التحديات الجسيمة الناتجة عن تدمير المعدات والكوابل، مع محاولات إصلاح ما تبقّى من أدوات وأنتينات بإمكانات محدودة.
يشير إلى أن "زمن" هي أول إذاعة محلية تعود إلى البث عبر موجات "إف إم"، ولو جزئياً، إذ تبث حالياً من ثلاث إلى أربع ساعات يومياً، إلى حين العودة الكاملة للدورة البرامجية.
ويشدد الشرافي أن هذا البث يحمل رسالة واضحة مفادها أن "زمن باقية"، وأن الإعلام الفلسطيني قادر على النهوض من تحت الركام. لكنه يلفت إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في توفير مصدر كهربائي مستقر، إذ يحتاج جهاز "ترانسميتر" إلى 30 أمبير، إضافة إلى جهاز مزوّد طاقة غير منقطع (UPS) لضمان استقرار التيار، ما يفرض العمل بحذر شديد بسبب صعوبة إصلاح أي أعطال. وتبث الإذاعة حالياً من مقر مدمّر يعود لأحد الأصدقاء، مع تطلّعها إلى العودة للبث الطبيعي قريباً.
من جهتها، لم تستسلم إذاعة صوت الشعب للدمار الذي طاول مقرها، إذ واصلت عملها خلال الحرب عبر الإنترنت لضمان استمرارية المحتوى، فيما واصل مراسلوها العمل إلكترونياً رغم قسوة الظروف. ويؤكد المذيع محمد العايدي، لـ"العربي الجديد"، أن الطاقم يواصل إعداد مقاطع وتقارير ميدانية وإنسانية ومحتوى يلامس القضايا اليومية للفلسطينيين.
بدوره، يقول مدير إذاعة القدس سهيل محمد إن الإذاعة تعرّضت لاستهداف مباشر وممنهج في إطار سياسة تهدف إلى منع وصول الصوت الفلسطيني إلى المواطنين، باعتبار الإذاعات الحلقة الأقرب إلى الناس. ويضيف أن الاستهداف لم يقتصر على موجات البث، بل شمل المقرات وأبراج الإرسال والمولدات الكهربائية، في محاولة لتعطيل العمل بالكامل. واستمر هذا الاستهداف قرابة أربعين يوماً، ما أجبر الطواقم على النزوح والبحث عن بدائل عبر البث الإلكتروني، رغم فقدان جزء كبير من الجمهور.
يشير، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن العودة للبث عبر الإنترنت تحمل رسالة طمأنة للمواطنين وتسعى للإجابة عن احتياجاتهم اليومية، مؤكداً أن بعض الإذاعات بدأت بالعودة تدريجياً بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لكن عبر البث الرقمي فقط بسبب الدمار الواسع. ويؤكد أن الإذاعات المحلية تنقل صوت المواطنين إلى المسؤولين، وتشكل صلة وصل مع العالم الخارجي، وتحمل رمزية وطنية وإنسانية خاصة.
يؤكد أمين سر نقابة الصحافيين الفلسطينيين، عاهد فروانة، أن عودة بعض الإذاعات تمثل تحدياً مباشراً للاحتلال، ويضيف أن الإذاعات تظل الوسيلة المفضلة للجمهور في أوقات الحروب، خصوصاً مع انقطاع الكهرباء والإنترنت. ويقول فروانة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن العودة التدريجية لبعض الإذاعات من مواقع مدمّرة وبإمكانات محدودة تمثل مرحلة تعافٍ للإعلام الفلسطيني، ورسالة تحدّ واضحة، وخطوة أساسية نحو استعادة الدور الإعلامي والوطني المنشود.
