"القارئ" والذاكرة السورية
Arab
3 days ago
share
لا يحكي فيلم القارئ (إخراج ستيفن دالدري عن رواية الألماني برنارد شلينك، وبطولة كيت وينسلت) قصة علاقة عاطفية بين مراهق ألماني وسيّدة تكبره في السنّ كانت حارسة في معسكر نازي فقط، يحكي الفيلم أكثر عن سؤال أخلاقي شديد الأهمية: كيف يمكن محاكمة أشخاص عاديين ارتكبوا جرائم جماعية من دون أن يشعروا أنهم مجرمون؟ لم تكن بطلة الفيلم، "هانا"، مجرمةً بالمعنى الفعلي للكلمة؛ لم تقتل أحداً بيدها، ولم توصل أحداً إلى أفران الغاز، لكنّها في عملها حارسةً لأحد المعسكرات النازية شاركت في واحدة من أكثر جرائم التاريخ سوءاً. لا يصوّر الفيلم "هانا" وحشاً لا يمكنك التعاطف معه؛ فهي لا تملك خطاباً أيديولوجياً ولا خطاباً سياسياً، ولا تبدو امرأةً ساديّة. هي أتفه من ذلك بكثير؛ هي التجسيد الكامل لفكرة حنّة أرندت عن مفهوم "تفاهة الشرّ"، فالشرّ قد يُرتكب من أشخاص لم يفكّروا، لا لأنهم أشرار بالضرورة، بل لأنهم أطاعوا والتزموا ولم يطرحوا أسئلةً على أنفسهم قبل أن يفعلوا ما يُطلب منهم". يحدث أن تتعاطف في الفيلم معها، وأن تجد لها مبرّرات، أو ربما أن تجد مبرّرات لتعاطفك معها، ذلك أن الحياة ليست سواداً كاملاً ولا بياضاً كاملاً؛ بين الاثنين ثمة منفذ لشيء آخر. هانا، بطلة الفيلم، أمّية لا تقرأ ولا تكتب. تترافق هذه الأمّية مع أمّية أقسى تتجلّى في عدم قدرتها على قراءة أفعالها ضمن سياق أخلاقي. هي فعلت ما تعرفه فقط، نفّذت أوامر مرؤوسيها التي لم تكن يوماً محل تساؤل لديها. هي معتادة على الطاعة وعلى تنفيذ الأوامر، وهما عندها سياق حياة كاملة. كيف ستُحاكَم على هذا السياق ولماذا؟ هي تعرف أنها لو عصت أوامر مرؤوسيها لقُتلت. في إطاعتها الأوامر، حافظت على حياتها، لكنّها لم تنتبه إلى أن ثمن ذلك كان الاشتراك في جريمة تاريخية لم تكن تملك ثقافة أخلاقية لإدراكها. أما مايكل، المراهق الألماني الذي أحبّها، فهو ابن الجيل الذي نشأ فوق رماد الجريمة، الجيل الذي لم يشارك في الجريمة لكنّه عرفها وصمت. هل يجب محاكمته بسبب الصمت؟ وهل الصمت تواطؤ مع الجريمة ضد الحقيقة؟ ليس مايكل بطلاً وليس جباناً، هو مشلول أخلاقياً، لكن هذا الشلل قد يجعل منه شريكاً في جريمة ستُرتكب لاحقاً، ففقدان البوصلة الأخلاقية يمكن أن تنتج منه جرائم كثيرة. ولكن ماذا لو طبّقنا ثيمة فيلم "القارئ" على الحالة السورية؟ من هو المجرم ومن هو الصامت ومن هو الضحية ومن هو القاضي؟ الجريمة في سورية أصبحت طبقات متعدّدة تعاد فيها دورة إنتاج العنف وتبادل الأدوار بين الضحايا والجناة، فبات الجميع ضحايا، والجميع جناة، والجميع متواطئون مع الجريمة. فمَن سيُحاسب مَن حالياً والبوصلة الأخلاقية مهشّمة، ومعظم الجناة هم "هانا"، ومعظم الصامتين هم مايكل؟ الجميع يفعلون ما اعتادوا عليه: الطاعة والصمت. الجميع مقتنعون أن صمتهم، سابقاً ولاحقاً، هو لحماية الوطن. الجميع يتنابذون بالأخلاق: "نحن لسنا مثلهم"، بينما الحقيقة أن الجميع أمّيون أخلاقياً، وينتمي الجميع إلى "تفاهة الشرّ" ما داموا هم عاجزين عن تبرير قبولهم للجرائم أو مشاركتهم فيها، وما دام الجميع يمتلك ذاكرةً أخلاقيةً قصيرةً تجعلهم يتجاهلون ما فعلوه ويتذكّرون ما فعله الآخرون، وما دامت السلطة وغلبتها مغريةً للجميع باختلاف رايتها أو خطابها، فالمشكلة ليست في الراية أو في الخطاب، بل في منطق السلطة الذي يتلاعب بالأخلاق، كما تقتضي مصلحته ويجعل الموالين لها مطيعين لهذا التلاعب. ومثل الفيلم، لا يوجد في سورية أبطال ولا جبناء؛ يوجد "أشخاص عاديون" بأخلاق مشلولة أو مرنة جدّاً بما يجعلها تميل مع ميل السلطة. فالأخطر في سورية ليس تكرار العنف، بل استسهال تبريره بذريعة ضرورته كما فعل "الأشخاص العاديون" في السابق. في سورية، لم يُواجه العنف القديم، إنما يُقارن بالعنف الجديد، وهذا لا يمكن له أن يحمي من السقوط الأخلاقي لمجتمع بأكمله تقريباً، بل بالعكس... هذا، كما فيلم "القارئ"، يجعل العنف يُقاس بالاعتياد عليه وبإطاعة مقرّريه، وبصمت مَن ينبغي لهم الكلام عنه. وهنا تماماً تقع كارثتنا السورية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows