Arab
ستشاهد وأنت تقلّب فيديوهات السوشال ميديا مقاطع لفلسطينيين في الضفة الغربية أو غزة وهم يرقصون، أو يؤدّون حركات الدبكة الفلسطينية. وقد يخطر ببالك أن تقول: يا لهؤلاء يتراقصون وفوق صدورهم احتلال كبير. ثم قد تصادف رقصة تاهيتيّة تقليدية، وتمرّ عنها بوصفها مشهدًا عاديًا أو تعبيرًا عن رغبة الناس في الحياة. لكن إذا طرحت سؤالًا فوضويًا، يشبه فوضى مواقع التواصل نفسها، عن العلاقة بين التاهيتي والدبكة والاحتلال، فقد تجد جوابًا يشدّك إليه، فتحوّله إلى مقال كهذا المقال.
في الميثولوجيا التاهيتية، يُنظر إلى الجسد بوصفه كيانًا لا يقل شأنًا عن الروح، بل وسيطًا أساسيًا للتواصل مع العالم والآلهة. وتروي الأساطير أن الآلهة انصرفت عن البشر حين عجزوا عن التعبير بالكلام عن رغباتهم ومخاوفهم، ولم تنصت إليهم إلا بعدما اجتمعت أجسادهم على إيقاع واحد. هنا لم يعُد الرقص ممارسة جسدية معزولة عن المعنى، بل لغة بديلة يستعيد بها الجسد حقه في الكلام، وينظّم الزمن عبر الإيقاع، لا خضوعًا لنظام خارجي، بل فعلًا جماعيًا يضع فيه الجسد قوانينه بنفسه. هذه اللغة الجسدية، التي تولد حين تتراجع الكلمة، تظهر في سياقات أخرى، وتحت شروط أكثر عنفًا.
وعلى نحو غير بعيد، تشير دراسات أنثروبولوجية إلى أن الدبكة الفلسطينية تعود في جذورها إلى طقوس زراعية جماعية في المشرق القديم، ارتبطت بإله الخصب والمطر الكنعاني بعل. كان، عندها، ضرب الأرض بالأقدام فعلًا رمزيًا لاستدعاء الخصب وتثبيت العلاقة بين الجسد والأرض، وكان شكل حلقة الدبكة مواتيًا لشكل القمر في دورته الشهرية. لم تكن الدبكة آنذاك عرضًا احتفاليًا، بل ممارسة جماعية تنظّم الإيقاع بين البشر والطبيعة، وتؤسس تحكّمًا مشتركًا بالحقل، وبالدورة الزمنية التي تحكمه، إيقاعًا لا يخطئه إلا الغرباء.
في فلسطين، ربما لم تعجز اللغة، بل أصبحت غير كافية، بتعبير أدق. عند هذه النقطة يدخل الجسد الفلسطيني المشهد من أوسع أبوابه. ويأتي إيقاعه الراقص تأكيدًا على الوجود، ورفضًا للانضباط القسري، ومحاولة لاستعادة التحكّم بالزمن، وإعلانًا صريحًا عن ملكيته للأرض والوقت، ولو للحظات قليلة يشعرون خلالها بالحرية في المكان والزمان. ومن هذا المنظور، لا تبدو الدبكة الفلسطينية بعيدة عن رقصة تاهيتي؛ فكلا الجسدين، وإن اختلفت الجغرافيا والأسطورة، يلجآن إلى الإيقاع حين تضيق اللغة، ويستعيدان عبر الرقص ملكية الوقت والوجود في مواجهة قوى لا ترى في الجسد سوى شيء يمكن إخضاعه.
لفهم هذا الإخضاع المنهجي للجسد، يمكن الاستعانة بمفهوم السلطة الحيوية كما طوّره ميشيل فوكو في تحليلاته للسلطة الحديثة، حيث لا تمارس السلطة عنفها عبر القمع المباشر فقط، بل عبر تنظيم الحياة نفسها؛ ضبط الجسد، قياسه، تدريبه، وإخضاعه لإيقاع خارجي يجعله منضبطًا وقابلًا للإدارة. هكذا يغدو الجسد وحدة زمنية قابلة للحساب، وتتحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من الإجراءات التي تعيد إنتاج السيطرة.
في فلسطين، لا يبقى هذا المفهوم نظريًا، بل يتجسّد يوميًا في أشكال متعددة من العنف البنيوي الاستعماري الذي يجعل الجسد قابلًا للإدارة القسرية؛ جسد يقف في الطابور، يُقاس بالوقت، ويُعاد إلى نقطة الانتظار. فالحواجز التي تؤجّل الحياة، والانتظار الذي يتحكّم بالزمن، والإخضاع اليومي، كل هذا الكم من العنف يحوّل الجسد الفلسطيني إلى وثيقة شاهدة على واقع يفرضه الاستعمار، إلى جانب شتّى السلطات التي تقوم على عنقه.
بحركات عفوية، ولاواعية أحيانًا، يُظهر الجسد ردّة فعله على هذا كله، من خلال استعادة مؤقتة للذات وللزمن المسلوب، فيلجأ إلى الإيقاع. والإيقاع هنا ليس مجرد ممارسة جسدية فاقدة للمعنى، ولا حركة أقدام معزولة، بل إعادة ترتيب للزمن، وتنظيم للجسد بوصفه فاعلًا يضع قوانينه بنفسه.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الرقصة التي يؤديها هذا الجسد بوصفها استثناءً عاطفيًا أو لحظة هروب عابرة، بل كمشهدية تحررية، واستعادة مؤقتة للذات والوقت خارج منطق الضبط والانضباط. ربما يكون ذلك تفسيرًا رومانسيًا لتلك العروض العفوية التي نشاهدها في خضم كل الكوارث التي يواجهها الفلسطينيون، لكنها في جوهرها عودة كل الأمور إلى أصلها وحقيقتها؛ عودة الجسد والأرض، وعودة التاريخ. وكأن أبا القاسم الشابي كان يقصدنا حين قال:
كذا صاغك الله يا ابن الوجود وألقتك في الكون هذي الحياة
فما لك ترضى بذل القيـــــود وتحني لمن كبلوك الجبـــــاه
Related News
بينها «الفيل في الغرفة».. أصعب 5 وظائف في بروكسل
al-ain
11 minutes ago