إحياء خيار توحيد مولدوفا مع رومانيا: سؤال الهوية بزمن التحولات
Arab
4 days ago
share
أثارت تصريحات الرئيسة المولدوفية مايا ساندو الأسبوع الماضي بشأن امكانية توحيد مولدوفا مع رومانيا جدلاً واسعاً، وكشفت عن أزمة هوية في البلد الصغير الواقع شرقي أوروبا، والذي انتقلت السيطرة عليه بين الدول والإمبراطوريات الكبرى المتاخمة له، قبل أن يبرز مستقلاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991. وقالت ساندو، في مقابلة في 11 يناير/ كانون الثاني الحالي مع البودكاست البريطاني "The Rest Is Politics" (الباقي سياسة)، إنه "إذا جرى تنظيم استفتاء، فسأصوّت لمصلحة الاتحاد مع رومانيا. انظروا إلى ما يحدث في العالم. أصبح من الصعب بشكل متزايد على دولة صغيرة مثل مولدوفا أن تصمد كدولة ديمقراطية، وكدولة ذات سيادة، وبالطبع أن تقاوم روسيا". وأقرّت ساندو بأن استطلاعات الرأي تُظهر أن غالبية المولدوفيين يعارضون الانضمام إلى رومانيا، وقالت إن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يظل هدفاً أكثر واقعية. وكانت مولدوفا قد حصلت على صفة دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في عام 2022، وفي استفتاء نُظم عام 2024، صوّتت أغلبية ضئيلة لمصلحة الانضمام إلى التكتل. وأثارت تصريحات الرئيسة ردود فعل غاضبة. واستغلّ سياسيون موالون لروسيا الجدل الذي أعقب ذلك، وشنّوا هجوماً على ساندو وأعادوا التذكير بأنها تحتفظ بجنسية رومانية إضافة إلى جنسيتها المولدوفية، وحذّر خبراء وسياسيون من أن الانضمام إلى رومانيا يسرع انفصال إقليمي بريدنيستروفيه (ترانسنيستيريا) وغاغاوزيا، ذوي المطامح الانفصالية والمدعوميَن من روسيا.   دعوات لاستقالة ساندو وطالب الحزب الاشتراكي؛ أكبر الأحزاب المعارضة، باستقالة ساندو، ودعا إلى ملاحقتها قضائياً بتهمة الخيانة. وانتقد زعيم الحزب، الرئيس السابق للبلاد، إيغور دودون، تصريحات ساندو. وذكر أن ساندو: "تحلم بأن تصبح رئيسة للدولة الرومانية الجديدة (بعد ضم مولدوفا)، وموقفها أملته أفكار أنانية حول مستقبلها الذاتي". وشدّد على أن "ترانسنيستريا يجب أن تتمتع بحق تقرير المصير إذا فقدت مولدوفا سيادتها". وأشار أحد قادة منظمة "المؤتمر المدني"، يوري مونتيان، إلى أن ساندو حنثت بالقسم، وقال في تعليقات الأسبوع الماضي إنها لم تلتزم بنص القسم الذي أدته مرتين بالفعل، وفقاً للمادة 79 من دستور جمهورية مولدوفا الذي ينص على "أقسم أن أكرس كل قوتي وقدراتي لازدهار جمهورية مولدوفا، وأن ألتزم بدستور وقوانين البلاد، وأن أدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وسيادة مولدوفا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها". طالب الحزب الاشتراكي باستقالة ساندو ومحاكمتها بتهمة الخيانة وصف حزب شيوعيو جمهورية مولدوفا تصريحات ساندو بشأن استعدادها للتصويت لمصلحة إعادة توحيد جمهورية مولدوفا مع رومانيا، بأنها "خيانة عظمى وانتهاك صارخ للقسم الرئاسي". وأضاف الحزب في بيان: "مثل هذا الوضع لا يمكن تصوّره في أي دولة أخرى في العالم. الدول تناضل من أجل سيادتها، وتعززها، وتغرس في مواطنيها شعوراً بالفخر بوطنهم. وفي مولدوفا فقط، يدافع أولئك الذين وصلوا إلى السلطة عن طريق التزوير والتلاعب بالأصوات ورشوة الناخبين، بينما هم في الوقت نفسه مواطنون في دولة أخرى، عن تصفية جمهورية مولدوفا". وطالب "شيوعيو مولدوفا" بتجريد ساندو من منصبها، ومقاضاتها بتهمة انتهاك الدستور. وانتقد عضو المجلس الأعلى لمقاطعة ترانسنيستيريا فاديم كرافتشوك تصريحات ساندو، وقال "مولدوفا مستعدة للتخلي عن سيادتها من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كجزء من رومانيا". وأضاف أن ساندو بإعلانها عن مسار عمل ضد "الانفصالية الترانسنيسترية" المزعومة، تدعو صراحة إلى تدمير بلدها. وذكّر إيفان بورغودجي، مؤسس الحركة الشعبية "غاغاوز هالكي" (شعب غاغاوز)، بأن قانون الوضع القانوني الخاص لحكم غاغاوزيا الذاتي ينص على أن غاغاوزيا ستتمتع بحق تقرير المصير في حال تغير وضع مولدوفا. وبالتالي، فإن دعم ساندو لتوحيد مولدوفا مع رومانيا يمنح غاغاوزيا وترانسنيستريا ذريعة للتحضير للانفصال عن كيشيناو. وهذا ما يقرّ به أيضاً سياسيون في مولدوفا.  والتزمت الأغلبية البرلمانية، ممثلة بحزب "العمل والتضامن" المؤيد للرئاسة، الصمت، مدركةً أن دعم ساندو يعني التنازل عن سيادة مولدوفا. وفي بوخارست، دعا برلمانيون الرئيس الروماني نيكوسور دان إلى مناقشة إجراء استفتاء على إعادة التوحيد مع مولدوفا. وأعلن السياسي الروماني، عضو البرلمان ألكسندرين مويسيف تأييده لإجراء استفتاء على توحيد رومانيا مع جمهورية مولدوفا. ووصف مويسيف تصريح ساندو في البودكاست البريطاني "الباقي سياسة" بأنه غير مسبوق، مع إعرابها عن استعدادها لدعم التوحيد مع رومانيا في حال إجراء استفتاء حول هذا الموضوع. وأشار مويسيف إلى أن "هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها رئيسة جمهورية مولدوفا بوضوح عن هذا الخيار، وفي سياق حديثها ناقشت أيضاً الضغوط الروسية والصعوبات المتزايدة في الحفاظ على الديمقراطية في المنطقة". ورأى أن هذا التصريح "يفتح باباً لنقاش جوهري حول مستقبلنا المشترك". ودعا مويسيف، المولود في مولدوفا، الرئيس الروماني نيكوسور دان إلى "التشاور مع البرلمان لتحليل جدوى وشرعية إجراء استفتاء وطني حول توحيد جمهورية مولدوفا مع رومانيا، وفقاً للأحكام الدستورية المتعلقة بالاستفتاءات الوطنية". كما أيد أعضاء آخرون في البرلمان مويسيف. ولا يعد تصريح ساندو جديداً لدى المولدوفيين، إذ أعلنت ساندو في 2016 و2018 أنها ستصوّت لمصلحة إعادة توحيد مولدوفا مع رومانيا في حال إجراء استفتاء. وكانت مولدوفا جزءاً من الإمبراطورية الروسية منذ معاهدة بوخارست في 1812، بصفتها محافظة بيسارابيا، قبل أن تعلن استقلالها في عام 1918 وتنضم فوراً إلى رومانيا. غير أن الاتحاد السوفييتي، الذي لم يعترف بسيادة رومانيا على مولدوفا، أجبر بوخارست في عام 1940 على التنازل عن مولدوفا مجدداً عبر التهديد بالتدخل العسكري. ولا يزال الجدل السياسي قائماً منذ قرون حول ما إذا كان ينبغي اعتبار المولدوفيين عرقاً مختلفاً عن الرومانيين. في خريف 2024، فازت مايا ساندو، التي تحمل الجنسية الرومانية إلى جانب جنسيتها المولدوفية، بفارق ضئيل، بولاية رئاسية ثانية. في الوقت ذاته، نُظّم استفتاء بشأن إضافة بند إلى دستور البلاد يُكرّس رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ودعت ساندو الناخبين إلى دعم التعديل، وأُقرّ بنسبة 50.4% من الأصوات. وفي كلٍّ من الانتخابات الرئاسية والاستفتاء، جاء فوز ساندو بفضل أصوات الجاليات المولدوفية في الخارج؛ أما داخل البلاد نفسها، فقد تقدم بفارق طفيف معارضو التكامل الأوروبي ومؤيدو المرشح الرئاسي الموالي لروسيا ألكسندر ستويانوغلو. وعقب انتخابات عام 2025، بات حزب "العمل والتضامن" الذي تقوده ساندو يسيطر على 55 مقعداً من أصل 101 في البرلمان المولدوفي، فيما تعود ستة مقاعد أخرى إلى حزب "الديمقراطية في الوطن"، الذي يدعو إلى التوحيد مع رومانيا. أما المقاعد الأربعون المتبقية فتتوزع بين أحزاب تعارض التكامل الأوروبي وتُعتبر موالية لروسيا بدرجات متفاوتة. وتُظهر استطلاعات الرأي المنتظمة أن فكرة التوحيد مع رومانيا تحظى بدعم ثابت من نحو ثلث المواطنين المولدوفيين. وكان آخر الاستطلاعات الموثقة في الصيف الماضي وقد نظّمته وكالتا "أي داتا" و"أي إم آي أس". وقال ثلث المواطنون إنهم مع الاتحاد مع رومانيا. وفي تعليق لموقع دويتشه فيلله باللغة الروسية، في 12 يناير الحالي، أشار عالم السياسة المولدوفي فيتالي أندرييفسكي إلى تأثير العامل الروسي على رأي المولدوفيين من هذه القضية. وقال "لو تقدّم الجيش الروسي إلى حدود مولدوفا، لكان أكثر من 70% من المولدوفيين قد صوّتوا لمصلحة التوحيد مع رومانيا بدافع غريزة البقاء الخالصة". ويحمل قرابة 1.5 مليون مولدوفي من أصل عدد السكان المقدّر بنحو 2.4 مليون الجنسية الرومانية. وعملت روسيا في السنوات الأخيرة على منح الجنسية الروسية لسكان ترانسنستيريا وغاغاوزيا. وأظهر تعداد وطني أُجري عام 2024، ونشر في يناير 2025، أن 15.3% من سكان مولدوفا ناطقون بالروسية، رغم أن المتحدرين من عرق روسي لا يشكّلون سوى 3.2%. ورغم أن مولدوفا كانت تاريخياً متعددة الثقافات، فإن النفوذ الروسي هو إرث من الحقبة السوفييتية. واستقدم السوفييت عمالاً من الجمهوريات الروسية وأوكرانيا للعمل في مولدوفا. وفي الزمن السوفييتي فُرضت لغة سُمّيت "المولدوفية"، وكتبت بالحروف الأبجدية الكيريلية. وادّعى النظام السوفييتي أنها لهجة مختلفة تستند إلى أنماط كلام الفلاحين، وأنها أكثر تمثيلاً للسكان من اللغة "الأدبية" المستخدمة في رومانيا المجاورة.  وشكّلت حركة النهضة الوطنية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بداية انفصال مولدوفا عن روسيا. وتزامنت هذه الموجة من المبادرات المدنية والسياسية مع سياسات الإصلاح التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم سوفييتي، ما أتاح مساحة لمطالب كانت محظورة سابقاً. وللمرة الأولى منذ عقود، بات في وسع المولدوفيين المطالبة علناً بالسيادة الوطنية، وحرية التعبير، والعودة إلى التقاليد المولدوفية. وبعد عقود من هيمنة الحزب الشيوعي، غيّرت أحداث 27 أغسطس/آب 1989 بانعقاد الجمعية الوطنية الكبرى من أجل الاستقلال في كيشيناو، مسار تاريخ البلاد. واستجابةً لمطالب مئات الآلاف من المتظاهرين، اعتمد المجلس الأعلى المولدوفي في 31 أغسطس 1989 تشريعاً أعلن فيه اللغة الرومانية لغةً رسمية للدولة، وأعاد اعتماد الأبجدية اللاتينية. وفي العام التالي، أعلن البرلمان تاريخ التشريع "يوم اللغة الرومانية" عطلةً وطنية، في رسالة واضحة حول اللغة المتداولة على ضفتي نهر بروت الفاصل بين مولدوفا ورومانيا. وفي 27 أغسطس 1991، أعلنت مولدوفا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي. ونصّ إعلان استقلال مولدوفا على اعتماد اللغة الرومانية لغةً للدولة، وأكدت الحكومة المنتخبة حينها هوية مولدوفية ـ رومانية مشتركة. بل إن بعض السياسيين تحدثوا آنذاك عن إعادة توحيد مولدوفا مع "الوطن الأم التاريخي". الجدل السياسي قائم حول ما إذا كان المولدوفيون عرقاً مختلفاً عن الرومانيين صراعات الهوية في مولدوفا في المقابل، اندلعت في منطقتي ترانسنيستريا وغاغاوزيا صراعات حول اللغة والهوية تحولت إلى نزعات انفصالية عنيفة. وأعلنت المنطقة الصناعية الشرقية ترانسنيستريا استقلالها عام 1990، ما تسبب في حرب دامية استمرت عامين مع مولدوفا. وبعد انتهاء النزاع، أصبحت ترانسنيستريا كياناً انفصالياً مدعوماً من موسكو. اليوم، تعتمد هذه المنطقة المنفصلة الروسية و"المولدوفية" والأوكرانية لغاتٍ رسمية، في رفض مباشر للهوية الرومانية لمولدوفا. أما غاغاوزيا، وهي منطقة جنوبية تقطنها أقلية تركية وديانتها مسيحية أرثوذكسية، وأعلنت الاستقلال أيضاً في عام 1990، فقد شهدت اشتباكات على نطاق أصغر، لكن أُعيد دمجها في مولدوفا بعد أربع سنوات كوحدة إقليمية ذات حكم ذاتي. وشكّل استفتاء عام 1994 في مولدوفا، بشأن البقاء جمهورية مستقلة، نهاية خيار إعادة التوحيد كمسار سياسي قابل للتطبيق. صوّتت الغالبية الساحقة من المولدوفيين (95%) لمصلحة الاستقلال باعتباره السبيل الأمثل، ما أدى فعلياً إلى تجميد فكرة الوحدة مع رومانيا. في السنوات التي تلت استفتاء عام 1994، شرعت حكومات مولدوفية متعاقبة في إحياء سردية الانفصال عن الرومانيين. زعمت هذه الحكومات أن شعب البلاد مولدوفي، ولغتهم مولدوفية، وأن تاريخهم وثقافتهم يختلفان عن تاريخ وثقافة رومانيا المجاورة. وتسارع هذا التوجه بعد انتخاب زعيم الحزب الشيوعي فلاديمير فورونين رئيساً عام 2001. واحتفل حزبه علناً بالأعياد السوفييتية، واستعرض اسمه الشيوعي ورمز المطرقة والمنجل، ما زاد من توتر العلاقات مع بوخارست. وبعد 20 عاماً في عام 2021، وفي يوم اللغة الرومانية، استغلت الرئيسة مايا ساندو المناسبة للدعوة إلى الوحدة. وقالت: "أريد للغة الرومانية أن تصبح القاسم المشترك بين جميع مواطني مولدوفا، مهما كانت لغتهم الأم، وأن تعمل هنا بانسجام مع اللغات الأخرى، الأوكرانية والروسية والغاغاوزية والبلغارية وغيرها". ومع ذلك، لا يزال تسييس اللغة والهوية المولدوفية حاضراً بقوة حتى اليوم. وبعد نحو 35 عاماً من الاستقلال، تبحث مولدوفا عن هوية جامعة، وما زالت التجارب الإمبراطورية الروسية، والعثمانية، والرومانية، والسوفييتية تؤثر في طبيعة المواطنين ونظرتهم. ولا يقتصر تأثير المشقات الاقتصادية وهجرة المولدوفيين إلى رومانيا وروسيا وأوروبا على رسم هوية البلاد المتناقضة فحسب، بل في تحديد مستقبل البلاد وتوجهاتها في السياسة الخارجية. 

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows