وقوف زمن الهيمنة... قراءة بلاغية في التشجيع الصامت
Arab
4 days ago
share
حين أطلق الباحث عماد عبد اللطيف فكرة "بلاغة المُخاطَب" سنة 2005، التي تحوّلت تدريجيّاً، وبفضل التراكم المعرفي، إلى تخصّص بلاغي يُعرف بـ"بلاغة الجمهور"، كان يعلم (ويستشرف) أن المخاطَب والجمهور عموماً أضحى، بفعل ما يمتلكه من أدوات، له حضور أساس في دوائر تحليل الخطاب وتفكيك الخطابات وردّها والتفاعل معها؛ فلم يعد الجمهور في الفضاء الواقعي أو الافتراضي مجرّد كائن يتلقّى الخطاب غثَّه وسمينه، وإنما انتبذ له مكانة غدا بفضلها فاعلاً رمزياً قادراً على إنتاج المعنى وصياغة الخطاب بوسائط غير تقليدية. وقد انسحب هذا التصوّر على جميع الفضاءات، ولعلّ أهمها (ما يهتم به هذا المقال) فضاء المدرّجات الرياضية، وتحديداً فضاء مدرّجات كرة القدم الذي يشهد منذ سنوات طفرة في الخطاب الناقد والواعي والهادف، الحامل هموم المقهورين والمظلومين، فلم يعد الجمهور في رحابه مجرّد كتلة صاخبة تستهلك الفرجة وتستجيب لها انفعالياً، بل أصبح ذواتاً تمارس الخطاب بأنواع شتى. فالجمهور، حين يتحرّك أو يصمت، حين يقف أو ينسحب، لا يعبّر فقط عن موقف آني، بل يمارس شكلاً من البلاغة الجماعية التي تتجاوز اللغة المنطوقة إلى الجسد والفضاء والزمن. من هذا المنظور، غدت المدرّجات مجالاً خطابياً مفتوحاً، تُعاد فيه كتابة الهُويّات واستدعاء الذاكرة ومساءلة السلطة، لا عبر الخطب والشعارات، بل من خلال أفعال رمزية مكثّفة، تختزل التاريخ في حركة، والموقف في صمت، والاحتجاج في حضور جسدي واعٍ. بناءً على هذه المقدّمة السريعة، زخرت المكتبة العربية المعاصرة بجملة من الكتابات التي تعالج بلاغة الجمهور، وتحديداً بلاغة جمهور كرة القدم، وكانت في جهودها المترامية تحاول أن تتعقّب استجابات الجماهير والأدوار التي تلعبها هذه الاستجابات في تعرية الخطابات السلطوية وكشف الظلم والقهر وكسر الخوف. ولهذا انشغلت كثيراً بطرائق إنتاج الاستجابة وتنوّعها، لغوية كانت أم غير لغوية؛ فنعثر على توليفات ونماذج من الاستجابات التي ابتدعتها الجماهير تعبيراً عن مواقفها وآرائها من قضايا المجتمع وسياسته وثقافته، فنعثر على اللافتات والأهازيج والشعارات المكتوبة والحركات الدالّة. الجمهور، حين يتحرّك أو يصمت، حين يقف أو ينسحب، لا يعبّر فقط عن موقف آني، بل يمارس شكلاً من البلاغة الجماعية التي تتجاوز اللغة المنطوقة إلى الجسد والفضاء والزمن في هذا المقال، نقف عند نوع آخر من استجابات الجماهير، وبلاغة أخرى من بلاغات جماهير كرة القدم. إنها استجابة تبدو غير مألوفة لكثيرين، لكنّها فاعلة ومؤثّرة، وبفضلها أُعيد إحياء ذاكرة النضال. إنها استجابة أو بلاغة "الوقوف الصامت" التي أقامها المشجّع الكونغولي في مدرّجات بطولة أفريقيا بالمغرب، وتحديداً في مباريات منتخبه الكونغولي. هناك حيث يُفترض أن يعلو الهتاف وتتعالى الأصوات، يظهر مشجع كونغولي في كل مرّة وقد اختار طريقاً معاكساً للصخب، فحوّل الصمت إلى خطاب، والوقوف إلى بلاغة، والجسد إلى ذاكرة ناطقة. لم يكن مشهد ميشيل كوكا مبولادينغا، المُلقَّب بـ"لومومبا"، مجرّد تصرّف فردي غريب يلفت عدسات الكاميرا، بل كان فعلاً رمزياً كثيف الدلالة، يتجاوز حدود التشجيع الرياضي، ليغدو استجابة بلاغية عميقة ضد تاريخ طويل من القهر والاستعمار، وإحياءً صامتاً للذاكرة النضالية الأفريقية. لقد اعتدنا في دوائر كرة القدم أن ننظر إلى فعل التشجيع بوصفه فعلاً انفعالياً، قائماً بالأساس على الصوت والهتاف والحركة؛ غير أنّ هذا المشجع الكونغولي أعاد تعريف الفعل التشجيعي حين نزعه من ضجيجه وأعاده إلى جوهره الرمزي. فبلاغة الجمهور لا تُختزل في الكلمات ولا في الصراخ، بل تتجلّى أحياناً في أفعال جسدية صامتة، قادرة على إنتاج المعنى بقدر ما تفعل الخطب والشعارات. هنا يتحوّل الجمهور من كتلة مُستهلِكة للفرجة إلى فاعل رمزي يصوغ خطاباً بديلاً داخل فضاء يبدو في ظاهره ترفيهيّاً، لكنّه في عمقه مشحون بالسياسة والتاريخ والهُويّة. أعاد المشجع الكونغولي تعريف الفعل التشجيعي حين نزعه من ضجيجه وأعاده إلى جوهره الرمزي اختار "لومومبا" أن يقف طوال زمن مباريات منتخبه الوطني مع منافسيه، من صفارتها الأولى إلى الأخيرة، من دون حركة، بذراع مرفوعة، متحدّياً التعب والألم الجسدي. هذا الوقوف ليس وضعية جسدية عابرة، بل لغة قائمة بذاتها. فالجلوس في المدرّجات يعني الاسترخاء والاستهلاك، أما الوقوف فيعني اليقظة والمشاركة والمواجهة. فالجسد هنا لا يساند المُنتخَب فقط، بل يعلن حضوراً واعياً ويكتب نصّاً بصريّاً مفتوحاً على التأويل. الصمت، في هذا السياق، لا يدلّ على غياب الكلام، بل على فائض المعنى؛ إذ يصبح الجسد هو المتكلّم، والإنهاك الجسدي جزءاً من الرسالة. وتتحوّل المدرّجات، بفعل هذا الحضور المختلف، من فضاء للفرجة الرياضية إلى منبر رمزي بديل. فالكاميرات التي التقطت المشهد ووسائل الإعلام التي تداولته لم تكن مجرّد ناقل محايد للصورة، بل ساهمت في تداول الخطاب الصامت ونقله من المدرج إلى المجال العمومي. هكذا لم يعد الملعب مكاناً معزولاً عن قضايا التاريخ والذاكرة، بل غدا مسرحاً تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الجسد والسلطة، وبين الجمهور والمعنى. ولا يمكن فهم هذا الفعل البلاغي خارج حمولة الاسم الذي يحمله صاحبه. فلقب "لومومبا" ليس تمثيلاً شكلياً ولا محاكاة سطحية لشخصية وهيئة تاريخية، بل استدعاءٌ واعٍ لإرث باتريس إيمري لومومبا، أحد أبرز رموز التحرّر في أفريقيا، وصوت جريء واجه الاستعمار البلجيكي وكشف عنفه وخداعه وسطوته. حين يستلهم المشجّع هيئة لومومبا ويقف صامتاً كما لو كان يخطب بلا كلمات، فإنه يعيد وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر، ويجعل من جسده امتداداً لذاكرة سياسية لم تُغلق ملفّاتها بعد. وهنا تلفت انتباهنا المفارقة الجسدية التي أحدثها هذا الفعل؛ فالصمت في ظلّ الصخب هو الذي أحدث بلاغة عالية. بلاغة ما بعد استعمارية، يردّ فيها الجسد الأفريقي على التاريخ لا عبر الشعارات المباشرة، بل عبر فعل رمزي يُقاوم النسيان في هذا السياق، يصبح الوقوف الصامت معادلاً رمزياً لخطاب لومومبا التاريخي؛ ذاك الخطاب الذي قال فيه ما لا يُقال، ودفع ثمنه اغتيالاً وتهميشاً. الفرق أن الجسد هنا يختار الصمت بدل النطق، لأن الصمت نفسه صار أبلغَ في زمن تُفرغ فيه الكلمات من معناها. إننا أمام بلاغة ما بعد استعمارية، يردّ فيها الجسد الأفريقي على التاريخ لا عبر الشعارات المباشرة، بل عبر فعل رمزي يُقاوم النسيان ويؤكّد أن الاستقلال السياسي لم يُنهِ بالضرورة أشكال الهيمنة الرمزية، فكأننا أمام إحياء للذاكرة، ودفعٍ واستفزازٍ للشعور القومي الأفريقي. بهذا المعنى، لا يمثّل هذا المُشجِّعُ حالة فردية معزولة، بل نموذجاً لجمهور جديد واعٍ بدوره الرمزي، وقادر على تحويل المدرّج إلى فضاء للمقاومة الهادئة. فهو لا يهتف ضد خصم رياضي، بل يقف ضد تاريخ من الإخضاع، وضد اختزال الإنسان الأفريقي في صورة المتفرّج أو التابع. إن بلاغة الجمهور، كما تتجلّى في هذا المشهد، تقوم على إعادة امتلاك الجسد واستثماره بوصفه أداة تعبير وذاكرة في آن واحد. فإن كان الصراخ والهتاف تتخلّله لحظات هدوء وصمت وتعب، فإن الوقوف طوال المباراة هو إصرار بلاغي واستجابة أكثر تحدّياً. في النهاية، يعلّمنا هذا الوقوف الصامت أن البلاغة لا تستوطن المنابر وحدها، ولا تنحصر في اللغة المنطوقة، بل قد تتجسّد في جسد منتصب القامة يرفض الجلوس، وفي صمت يضجّ بالمعنى. هكذا يصبح التشجيع فعل ذاكرة، وتتحوّل المدرّجات إلى أحد آخر الفضاءات الشعبية التي لا تزال قادرة على إنتاج خطاب حرّ يربط الرياضة بالتاريخ، والجمهور بالكرامة، والجسد بالمقاومة. وهذا فعلاً ما أحدثه هذا الفعل البلاغي؛ إذ أيقظ هذا السلوك البلاغي أسئلة حول شخصية تاريخية نضالية، وبات العالم كلّه يتحدّث عن المناضل باتريس إيمري لومومبا، وكأن مدرّجات كرة القدم جسر عبور نحو إحياء الرموز الوطنية ونفض غبار النسيان عنها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows