مآسي كردفان... حرمان من النزوح والجوع والأمراض تتفشّى
Arab
4 days ago
share
تصاعدت وتيرة الأزمة الإنسانية في إقليم كردفان بعد تقدم "قوات تأسيس" المُشكلة حديثاً من الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع نحو مناطق سيطرة الجيش السوداني بولايتي شمال كردفان وجنوبها. أدت المعارك البرية والهجمات بالطائرات المسيرة إلى نزوح آلاف المدنيين السودانيين من قرى إقليم كردفان ومدنه نحو ولايات النيل الأبيض وسنار والقضارف والعاصمة الخرطوم، بعد تعرضهم لانتهاكات متعددة من قبل طرفي الحرب، بالتزامن مع شح المواد الغذائية وإغلاق المستشفيات في كل من كادوقلي والدلنج والدبيبات والحمادي بولاية جنوب كردفان، ومناطق أخرى بولاية شمال كردفان. ويحاول آلاف المدنيين العالقين وسط المعارك الفرار، بيد أن الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للجيش السوداني تدفعهم إلى البقاء في أماكنهم عبر تقييد حركة النزوح، بحجة أن الأوضاع الأمنية تحت السيطرة، ولا توجد أسباب للنزوح، في حين أجلت كافة المنظمات الدولية العاملة في كادوقلي والدلنج أفرادها بعد تكثيف القصف واشتداد الحصار. نزح السوداني آدم عبد الله من مدينة الدلنج إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، ويؤكد أن آلاف الأسر تقطعت بها السُبل وسط انعدام الغذاء والدواء ومياه الشرب، وأصبحوا غير قادرين على الوصول إلى المناطق الآمنة بسبب التعقيدات التي تفرضها الأجهزة الأمنية، والتي تجبرهم على البقاء بحجة عدم وجود خطر على حياتهم. يقول آدم الذي قطع المسافة ما بين الدلنج وكوستي في عشرة أيام لـ"العربي الجديد": "مناطق واسعة في ولاية جنوب كردفان انفرط فيها عقد الأمن، وتكاد تنعدم فيها السلع الغذائية، ما أدى إلى تفشي الجوع والأمراض المرتبطة به، ورغم ذلك ترتفع أصوات منادية بعدم نزوح المواطنين من مناطقهم بدعوى استتباب الأمن، وهو ادعاء ينفيه الواقع المعاش لأن المعارك تقترب حالياً من قلب المُدن، وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية يحاصران مدينتي الدلنج وكادوقلي، ويقومان بعزل كل منهما عن الأخرى عبر السيطرة على الطريق الرابط بينهما، ما يجعلهما شبه جزيرتين معزولتين". يضيف: "التعقيدات التي تفرضها الأجهزة الأمنية، إلى جانب عدم توفر وسائل النقل التي توقفت بسبب عدم توفر الوقود، أو لهروب أصحابها إلى المناطق الآمنة خوفاً من استيلاء الدعم السريع عليها، وكلها أسباب جعلت النزوح غاية في الصعوبة، ورغم ذلك تضطر النساء والأطفال وكبار السن إلى السير لمسافات طويلة للوصول إلى أقرب منطقة تتوفر فيها وسائل النقل". ويشرح المعاناة التي واجهتها أسرته المكونة من 13 فرداً أثناء النزوح، قائلاً: "خرجنا من منزلنا بالأغراض التي نستطيع حملها، لأننا بدأنا النزوح سيراً على الأقدام لمسافة نحو 20 كيلومتراً حتى عثرنا على مركبات نقلتنا بمبالغ باهظة تساوي أضعاف قيمة الكلفة العادية إلى حدود دولة جنوب السودان، ومنها عدنا نحو كوستي التي كلفنا الوصول إليها عشرة أيام، في حين كانت الرحلة تستغرق ثماني ساعات في غير أوقات الحرب". ويعيش الآلاف في مدينة كادوقلي ظروفاً مأساوية ناتجة من الجوع والقصف اليومي بالمسيرات والمدفعية، ما أدى إلى توقف المستشفيات والصيدليات، ومغادرة الكوادر الطبية للنجاة بأنفسهم كونهم من أكثر الشرائح المعرضة للانتهاكات. وكشفت شبكة أطباء السودان، الاثنين الماضي عن تدهور خطير في الوضع الصحي بولاية جنوب كردفان، وعزت السبب إلى الحصار المفروض على المنطقة لأكثر من عامين، مما أثر على المرافق الطبية التي خرج معظمها من الخدمة نهائياً، والبقية تعمل بأقل من نصف طاقتها بسبب نقص الكوادر والإمدادات الطبية وأكياس الدم. ومن داخل كادوقلي، يقول هارون أحمد لـ"العربي الجديد": "القصف مستمر على المدينة منذ مطلع العام، وقد صُنفت منطقة مجاعة من قبل الأمم المتحدة، وتوقفت المستشفيات التي قصفت عدة مرات، ورغم كل المخاطر التي تحدق بالمواطنين إلا أن فرص النزوح تتضاءل مع صعوبة التنقل، وآلاف المواطنين معزولون في المناطق المحاصرة. في السابق، كان الأهالي ينتظرون طويلاً للحصول على المواد الغذائية ومياه الشرب والأدوية، وهذه الاحتياجات رغم أهميتها لم تعد أولوية، فالكل يبحث عن فرصة للنجاة بالأرواح المهددة بالقتل". ومن إحدى القرى القريبة من مدينة كادوقلي، يقول صالح جدو لـ"العربي الجديد": "المدينة محاصرة، ويجري قصفها باستمرار، وتحاصرها الحركة الشعبية من الجنوب والغرب، ومن الشمال والشرق تحاصرها قوات الدعم السريع. توقفت سلاسل إمداد الغذاء والدواء، وأصيب الناس بإنهاك شديد بسبب الجوع والأمراض، وسُدت أمامهم كافة طُرق النزوح. أنا أب لسبعة أطفال، وفقدت جميع مدخراتي، ولا أملك حالياً المال للنزوح، خصوصاً مع ندرة وسائل النقل، وضاعف ذلك قيمة التنقل نتيجة غلاء أسعار الوقود والمخاطر الأمنية". شبكة أطباء السودان: انهيار الوضع الصحي بجنوب كردفان وخروج 50% من المرافق الطبية بكادقلي عن الخدمة تسبّب الحصار المفروض على ولاية جنوب كردفان، والمستمر لأكثر من عامين، في تدهورٍ خطير للوضع الصحي، لا سيما في عاصمة الولاية مدينة كادقلي، في ظل استمرار القصف والعمليات العسكرية. وتضم… pic.twitter.com/8WvUl6nBiC — Sudan Doctors Network - شبكة أطباء السودان (@SDN154) January 19, 2026 وتفرقت بعض الأسر بين القرى التي تنعدم فيها الخدمات، وأصبحت المجتمعات الريفية الفقيرة تتقاسم الموارد الشحيحة المتوفرة مع الأعداد الكبيرة من النازحين الذين يغادرون مناطقهم الواقعة تحت القصف. وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة برنو الواقعة في جنوب كادوقلي على الطريق القومي، يوم الجمعة الماضي، وقطع آخر مسار لحركة النزوح، تصاعد قلق آلاف السكان الذين يتهددهم خطر المعارك العسكرية. نزحت سلافة الصديق من الدلنج إلى مدينة الأبيض، وتقول لـ"العربي الجديد": "لا يعرف كثيرون إلى أي وجهة ينزحون، ومعظم مناطق ولاية شمال كردفان أصبحت مسرحاً للعمليات العسكرية، ومن يتمكن من النزوح والنجاة من التعقيدات الأمنية التي تحد من حركة المواطنين يجد نفسه مضطراً للسير لأيام عديدة للوصول إلى المناطق الأمنة في الولايات الشرقية، مثل النيل الأبيض والقضارف وسنار. تحتاج هذه الرحلة إلى إمكانات مادية غير متوفرة لمعظم النازحين الذين نفدت مدخراتهم خلال فترة الحرب، وجربوا أكل أوراق الشجر والأعشاب خلال الشهور الماضية، وهم حالياً في أوضاع يرثى لها من شدة المعاناة". تنطبق ذات المعاناة على سكان مدينة الأبيض، والتي تؤوي آلاف النازحين الذين يعيشون في مخيمات بدائية بائسة تفتقر للخدمات الأساسية، ورغم ذلك تُحاول السلطات منعهم من النزوح مجدداً إلى خارج المدينة التي تكاد تقع تحت حصار الدعم السريع الذي يطوقها من ثلاث جهات. وتصف إحدى النازحات في الأبيض الوضع بأنه خطير، وتقول المرأة التي طلبت عدم كشف هويتها لـ"العربي الجديد": "الأوضاع المعيشية غاية في السوء بسبب غلاء الأسعار وعدم وجود مساعدات كافية لآلاف النازحين الذين تجمعوا في المدينة، ثم وجدوا أنفسهم بين حصارين، إذ يحاصر الدعم السريع المدينة، وتمنعهم السلطات الأمنية من مغادرتها رغم اقتراب المعارك من الأحياء السكنية". وتكاد سبل البقاء على قيد الحياة تنفد في القرى والمُدن بولاية شمال كردفان منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها، وقد تعرض سكانها لانتهاكات قاسية، ما أجبرهم على النزوح، بينما تتقدم الاشتباكات نحوهم بوتيرة متسارعة كلما استقروا في منطقة. وتفيد مفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان (حكومية) بوصول 149 ألف أسرة نازحة إلى مدينة الأبيض، حيث أشارت المفوضية في تقرير يوم 19 يناير/كانون الثاني الجاري إلى أن عشرين في المائة فقط من النازحين تم استقبالهم في مخيمات الإيواء، بينما تستضيف الأسر والمجتمعات المحلية 80% من عدد الأسر النازحة. نزح التوم حمد الله من ضواحي بارا إلى الأبيض، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم نتوقع أن نعيش هذه الظروف. تركنا كل ممتلكاتنا خلفنا، وحالياً نتوسد الثرى في خيام بدائية مهترئة مصنوعة من المواد المحلية وقطع القماش البالية. لم تقدم لنا مساعدات كافية، ولا يوجد أمل بعودتنا إلى مناطقنا، والأخطر هو شعورنا بأنه قد يتم اتخاذنا دروعا بشرية في أي معركة قادمة إلى المدينة التي تكتظ بآلاف النازحين والسكان المحليين غير القادرين على النزوح". ومع اشتداد حدة المعارك والتوترات الأمنية بولايات إقليم كردفان الثلاث، شرعت المنظمات الدولية العاملة في المنطقة في إجلاء موظفيها بعد استهداف مقراتهم، ما جعل الوضع الإنساني أكثر تعقيداً. ووصف مصدر بإحدى منظمات الإغاثة التي تعمل بالإقليم الوضع بأنه "خطير وقابل للانفجار في أي وقت". وقال المصدر الذي طلب عدم كشف هويته لـ"العربي الجديد": "وصلت المنظمات الانسانية التي تعمل في المنطقة قبل نحو شهرين إلى استنتاج أن الوضع لا يسمح بالبقاء، وأنه يفترض بها إجلاء كل الموظفين، وهذا ما حدث بالضبط، فكل التقديرات الأمنية تشير إلى قرب حدوث اشتباكات عسكرية داخل المُدن. إجلاء الموظفين يعني أن الخطر في مرحلته النهائية، وخروج المنظمات والعاملين الإنسانيين يعني انكشاف ظهر المدنيين، وتوقف الخدمات الصحية، وتوقف توزيع المعونات الغذائية". وارتفعت حدة المعارك خلال الأسبوع الجاري حول مدينة الأبيض، إذ أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على بلدة الدانكوج الواقعة على بعد 25 كيلومتراً فقط شمال مدينة الأبيض مما دفع عشرات الأسر للنزوح نحو المدينة المكتظة بالنازحين.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows