Arab
رغم أن المستشفيات الحكومية يُفترض أن تكون الملاذ الآمن للنساء في لحظة الولادة، تتحول هذه التجربة لدى كثيرات في العراق إلى محنة مليئة بالإهمال والضغط النفسي، فبين نقص الكوادر الطبية وضعف الخدمات وسوء المعاملة، تعيش آلاف النساء معاناة مضاعفة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في حياتهن.
تقول آمال أحمد لـ"العربي الجديد": "رافقت شقيقتي إلى صالة (قسم) الولادة في أحد المستشفيات الحكومية خلال الأيام الأخيرة من الحمل للاطلاع على وضعها الصحي وحجز موعد الولادة، وشاهدت كيف تتعرض النساء إلى سوء المعاملة، والتجاهل، والإهمال، وفي ظل نقص الكوادر، تتحول أقسام الولادة إلى أماكن تفتقر إلى الخصوصية والدعم النفسي. اضطرت شقيقتي للولادة في مستشفى حكومي بسبب وضعها المادي الذي لا يسمح لها باللجوء إلى المستشفيات الخاصة. المعاملة كانت سيئة للغاية، ما ترك أثراً نفسياً على شقيقتي، والتي شاهدت ممرضات يصرخن على النساء أثناء المخاض، ويتعاملن معهن بألفاظ غير مقبولة".
كانت تجربة سارة حسين أسوأ، إذ انتظرت داخل قسم الولادة 26 ساعة قبل أن تُجرى لها عملية قيصرية طارئة، ما جعلها تفقد طفلها بعد يومين من الولادة. وتقول لـ"العربي الجديد": "لم أكن أعلم أنني سأفقد ابني بسبب الإهمال. هناك تقاعس كامل عن تجهيز أقسام الولادة بأبسط الأجهزة أو توفير الطواقم الطبية الكافية".
بدورها، تشير الممرضة نور الداودي إلى أن "الكثير من النساء يدخلن المستشفى من دون إجراء الفحوص المبكرة أو التحاليل الضرورية، ما يعرّض الأم والطفل للخطر، ويفرض ضغطاً إضافياً على الأطقم الطبية، ويدفع البعض إلى التعامل بقسوة. تعاني المستشفيات الحكومية من نقص المعدات والأدوية الأساسية، فضلاً عن تقادم البنية التحتية في عدد كبير من المؤسسات الصحية، ما يدفع الأطباء إلى اتخاذ قرار اللجوء إلى العمليات القيصرية في ظل غياب الإمكانات اللازمة لدعم الولادة الطبيعية الآمنة". وتضيف الداودي أن "هذا الواقع الصحي الصعب يدفع الكثير من العائلات إلى تفضيل المستشفيات الأهلية، رغم كلفتها العالية، بحثاً عن معاملة أفضل ورعاية أكثر إنسانية، فيما تبقى النساء غير القادرات مادياً عالقات داخل نظام صحي حكومي مثقل بالأزمات".
من جهتها، تقول إلهام محمد، وهي طبيبة تعمل في مستشفى حكومي، إن هناك غياباً شبه تام للضوابط التي تنظم توقيت التدخل القيصري، ويترك القرار لمزاج الطبيبة أو خبرتها الشخصية في ظل غياب أجهزة رصد نبض الجنين، أو مستوى الأوكسجين، ما يعرّض الأمهات والأجنة لمضاعفات خطيرة".
وتوضح لـ"العربي الجديد" أن "وزارة الصحة لا تتحمل في كثير من الحالات مسؤولية مضاعفات الولادة، إذ تقدم بعض الطبيبات أعذاراً جاهزة للإفلات من المساءلة، فضلاً عن عدم توفر أجهزة تخطيط نبض الجنين، وغالباً ما تتم الولادة الطبيعية من دون متابعة حقيقية، ما يهدد حياة الطفل. اختناق الجنين بسبب ماء الرأس، أو إعطاء المغذيات بشكل خاطئ باتت أعذاراً شائعة لتبرير الوفيات من دون تحرك جدي لمعاقبة المقصرين أو إصلاح النظام الصحي".
بدوره، يرى الطبيب خليل داوود أن "تحسين واقع الولادة في المستشفيات الحكومية لا يرتبط فقط بتوفير الأجهزة أو زيادة عدد الأطباء، بل يبدأ بإعادة الاعتبار إلى كرامة المرأة داخل المؤسسة الصحية، وتدريب الكوادر على أسس التعامل الإنساني، وتعزيز الرقابة والمساءلة، إلى جانب توسيع خدمات الرعاية قبل الولادة".
من جانبها، تؤكد وزارة الصحة العراقية أن سوء المعاملة الذي قد تتعرض له النساء قبل أو أثناء الولادة داخل المؤسسات الصحية يُعد سلوكاً مرفوضاً، ويتعارض مع أخلاقيات المهنة. وتقول المسؤولة في الوزارة، فاطمة الخالدي، لـ"العربي الجديد"، إن "الوزارة تولي اهتماماً خاصاً برعاية النساء الحوامل، ولا سيما في مراحل ما قبل الولادة، من خلال توفير المراكز الصحية، ومتابعة الفحوص، والجرع اللقاحية، لما لذلك من ارتباط مباشر بصحة الأم والجنين".
وتوضح الخالدي أن "التعامل الإنساني والمهني مع المريضات حق مكفول، وأن الكوادر الصحية ملزمة بالالتزام بمعايير السلوك الطبي واحترام كرامة المريضة"، مؤكدة أن "أي حالات إساءة يتم الإبلاغ عنها تخضع للتحقيق وفق القوانين والتعليمات النافذة، وقد تُتخذ بحق المخالفين إجراءات إدارية أو قانونية".
لكنها في الوقت نفسه تعترف بوجود تحديات تواجه بعض المؤسسات الصحية، مثل الضغط الكبير على المستشفيات، ونقص الكوادر في بعض الاختصاصات، لكنها تشدد على أن "هذه الظروف لا تبرر الإساءة للمريض، خصوصاً في أقسام النسائية والتوليد".

Related News
ضغوط أميركية لفتح معبر رفح
aawsat
5 minutes ago
السودان: معارك طاحنة في محور النيل الأزرق
aawsat
11 minutes ago
مصرع ثمانية أشخاص على الأقل في حادث غرق عبارة في الفيليبين
aawsat
12 minutes ago