"فرانز ك.": فيلم يشبه كافكا المتّسم بالسوريالية والتجريب
Arab
4 days ago
share
مؤكّد أن بعض العناصر ستحضر في أيّ فيلم يتناول سيرة فرانز كافكا (إيدان فايس): علاقته المتناقضة بوالده هيرمان (بيتر كورت)، والمعقّدة بنساء، كفيليس باور (كارول شولر) وميلينا يسينسكا (جينوفيفا بوكوفا)، وصداقته المعقّدة مع راعيه ماكس برود (سيباستيان شوارتز). لكن جديد البولندية أغنيشكا هولاند، "فرانز ك." (2025) يقدّم أكثر من مجرد إعادة سرد المشاكل المعروفة في حياة الرجل، الذي أحدث ثورة في الأدب بشكل يفوق أي اسم آخر تقريباً. فالمخرجة تُقرّبنا من كافكا الإنسان، بإهمال رسائل وشهادات حظيت بتفسيرات واسعة، أي الجانب اللفظي والمكتوب من سيرته. بدلاً من ذلك، تقدّم مشهداً بصرياً خلّاباً، عالماً من الضوء واللون، ومونتاجاً متقناً. في تعليقها عليه، تكتب أنها شعرت بأن الشاب ذا المظهر الهشّ، كان بمثابة "أخ". إذا صحّ هذا، فهي تُشبه نسخة مُستنيرة من أخته، أوتلا (كاثارينا ستارك): أقل غيرة وتملّكاً، لكنها بالقدر نفسه من الحنان والحب. يمكن قول الكثير في مشهد واحد: كافكا الأب، يُصفّر بفمه فيبدو رائق المزاج، يقصّ شعر ابنه الصغير فرانز (دانيال دونغريس)، الذي ينظر في المرآة، حزيناً وقلقاً ومُفعماً بغضب مكبوت. تماماً كملامحه، صار رجلاً بالغاً، بعد قصّ شعره، يُغطّي أذنيه بملعقتين، مع أنه الآن، نظراً إلى ضخامة مُصفّف الشعر الذي يظهر نصفه فقط، لا وجود لصفير أبوي، ولم يعد جالساً في بيته، بل في صالون حلاقة عادي. الكثير مُركّز في هذا المشهد القصير: الصراع الدائم مع شخصية الأب المُهيمن، لكن أيضاً تصويرٌ مُوجزٌ للشخصيتين المختلفتين تماماً. تستحوذ الوسائل السينمائية على ما لا يمكن سرده كاملاً، لأنه، إذا ما انساق السيناريو (ماريك إبستاين) لإغراءات الاستطراد، سيتجاوز حدود فيلمٍ مدّته ساعتان. تجسّد الإطارات المصمّمة ببراعة، بصفتها عدسة مكبّرة، علاقات كافكا بعائلته والعالم الخارجي، وبنفسه. عام 2024، شهد الذكرى المئوية لوفاة فرانز كافكا، المولود في براغ عام 1883، التي عاش فيها معظم حياته. أُنتج فيلم ومسلسل قصير احتفاءً بهذه المناسبة، يتناولان، كلٌّ بطريقته، المادة الثرية لحياة قصيرة، لكنها مؤثرة ومثيرة للجدل. "مجد الحياة"، لجورج ماس وجوديث كوفمان، يركّز على المرحلة الأخيرة من حياته، وحبّه لدورا ديامانت. و"كافكا" التلفزيوني (ست حلقات)، لديفيد شالكو (تأليف دانيال كيلمان)، يُسلّط الضوء على سيرته الذاتية وأعماله، مع تركيز على جانب محدّد في كل حلقة. فيلم هولاند، ذو الطابع التجميعي، يأتي بعد عامٍ كامل على المئوية، لكنه ليس متأخراً بأي حال. من مزاياه أن موضوعه حديث الساعة في عام الذكرى، ما يُتيح الآن افتراض معرفة واسعة بخلفيته. مع ذلك، هذه حقائق أساسية بإيجاز: كافكا ابن عائلة تجارية يهودية ثرية. ابن وحيد بين ثلاث شقيقات، تُفترض به المساعدة في إدارة الشركة العائلية. لكن، بعد إتمام دراسته، التحق بالعمل في شركة تأمين. كتب قصصه القصيرة ورواياته ليلاً، غالباً. عام 1917، أُصيب بمرض السلّ. استمر في الكتابة حتى وفاته، وأقام في مصحّات، مرّات عدّة. من الأعمال المذكورة، يُعدّ "فرانز ك." الأكثر تجسيداً لحقيقة أن كافكا الكاتب اتخذ منحى غير مسبوق، يتسم غالباً بالسوريالية والتجريب. لا تلجأ هولاند إلى الصور النمطية البصرية المبتذلة للعبث والسوداوية والقلق والاغتراب (ثيمات اقترنت بأسطورة الكاتب، الذي أضحى أحد أبرز أدباء القرن الـ20)، بل تُطوّر، بالتعاون مع مدير التصوير توماش ناوميوك، بانوبتيكوناً (Panopticon) كثيفاً، يمزج بين الواقعية والخيال والمخاوف والهواجس. والأهمّ، أنه يكسر قواعد السيرة الذاتية السينمائية، عبر إرساء مستويين إضافيين: مستوى شبه وثائقي، وآخر مستقبلي فكاهي ـ هجائي. يخاطب الممثلون الجمهور ـ الكاميرا مباشرة، معبّرين عما فكّرت به شخصياتهم، أو قالته فعلياً عن فرانز. يدعو هذا التعدد الصوتي الجمهورَ إلى اتخاذ موقفه الخاص، لكنه في الوقت نفسه يعكس رفض الفيلم إضافة تفسير آخر إلى آلاف التفسيرات الممكنة. كما ينتقل إلى التسويق المستقبلي (الحالي) لكافكا أمام سيّاح براغ، وصولاً إلى مطعم وجبات سريعة، يستغلّ حقيقة نباتية كافكا لأغراضه الخاصة. في الدليل الصوتي (الخيالي) لمتحف كافكا بموطنه، يدعو صوت آلي، من بين أمور أخرى، إلى التعرّف على الكاتب شخصياً. حتى وإن يسخر "فرانز ك." من هذه الرؤية، التي يقودها الذكاء الاصطناعي، فهذا تحديداً أعظم إنجازاته: خلق شعورٍ حميمي مؤثّر. وبعدم وضع بطله في مكانة مثالية، أو تصويره شخصاً مضطرباً نفسياً، أو وصفه بغريب الأطوار، يخلق الفيلم فرصة للتعاطف مع رجلٍ كان، بلا شكّ، سابقاً عصره، ليس فقط في كتاباته. هكذا، يمكن التعاطف مع كافكا كأنه شابٌ اليوم: متردّد بشأن رجولته، ممزّق بين هويات متعددة (يهودي، ألماني، تشيكي)، غارق في العالم وتعقيدات البيروقراطية. لكنه أيضاً متحمّس ومتعطّش للحياة، يبحث عن الحب الحقيقي، وحياة مستقلة بوصفه فناناً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows