كيف غيّر التضخم والبطالة نظرة جيل زد؟
Arab
4 days ago
share
يهتم الشباب بالعثور على شريك يتمتع بوضع مالي مستقر، بحسب الرئيسة التنفيذية لتطبيق المواعدة Coffee Meets Bagel، في مؤشر يعكس تحوّلاً واضحاً في أولويات جيلٍ يواجه واحدة من أعقد المراحل الاقتصادية في تاريخه الحديث. قال كوينسي يانغ، الرئيس التنفيذي المشارك لتطبيق Coffee Meets Bagel، لموقع Business Insider، إن المال والاقتصاد يشكلان عاملين حاسمين لدى أبناء جيل Z عند اختيار الشريك. وأضاف يانغ: "أصبح من الصعب جداً تحمّل كلفة شراء منزل، أو أي عقار"، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الشباب ما زالوا يعيشون مع أهاليهم. وأوضح أن الأجيال الأكبر سناً كانت قادرة على تحقيق الحلم الأميركي المتمثل في امتلاك منزل وتأسيس عائلة بتكلفة أقل بكثير. وتابع: "اليوم، تحتاج إلى دخلين معاً لتتمكن فقط من شراء شقة أو منزل بسعر متوسط. يجب أن تمتلك وظيفة جيدة، ولا يمكنك التراخي كثيراً". وأوضح يانغ أن أزمة القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة انعكست مباشرة على سلوك المواعدة، قائلاً: "أصبح هناك دافع حقيقي للعثور على شريك مستقر مالياً وطموح". الدخل المزدوج.. شرط جديد للحلم يأتي هذا التحول في ظل ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة. فقد ارتفعت أسعار المساكن بوتيرة أسرع من الدخل خلال العقدين الماضيين، وفق تقرير صادر في يونيو/ حزيران 2024 عن وزارة الخزانة الأميركية. كما لم تشهد أسعار المواد الغذائية أي تراجع، إذ ارتفعت بنحو 25% بين عامي 2020 و2024، بحسب بيانات وزارة الزراعة الأميركية. وزادت الضغوط هذا العام مع فرض إدارة الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية على السلع الأجنبية، ما دفع شركات تجزئة كبرى مثل وولمارت وتارغت إلى رفع الأسعار. في هذا المناخ الاقتصادي، بات العيش بمفردك رفاهية يصعب على كثير من الأميركيين تحمّلها. وأظهرت دراسة صادرة عن مركز Pew Research Center في يناير/ كانون الثاني أن عدداً متزايداً من البالغين الأميركيين باتوا يعيشون مع شريك، إذ انخفضت نسبة من يعيشون دون شريك من 44% عام 2019 إلى 42% عام 2023. المال في صدارة أولويات المواعدة ومع ارتفاع تكاليف الحياة، أصبح العامل المالي أولوية مركزية لدى الشباب عند البحث عن شريك. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، أجرى تطبيق Coffee Meets Bagel، الذي يضم نحو 20 مليون مستخدم حول العالم، استطلاعاً شمل حوالي 1050 مستخدماً في الولايات المتحدة تتراوح أعمارهم بين 21 و35 عاماً، جميعهم من المهنيين العاملين الذين قالوا إنهم إما يبحثون عن علاقة بجدية، أو منفتحون عليها. وأظهر الاستطلاع أن الاستقرار المالي تصدّر قائمة الأولويات، إذ صنّفه 54% من المشاركين عاملاً أساسياً عند اختيار الشريك، كما اعتبر نحو 60% أن الطموح والدافع المهني من الصفات الضرورية، بنسبة فاقت حتى أهمية الاهتمامات المشتركة. وقالت الشركة، التي تسوّق تطبيقها على أنه مخصص للباحثين عن علاقات جادة: "رغم أن كثيرين يبحثون عن شريك يقضون معه حياتهم، فإن الاعتبارات العملية لا تزال تتصدر المشهد". لماذا تغيّر جيل زد؟ ينتمي جيل زد، المواليد بين منتصف التسعينيات وبداية العقد الثاني من الألفية، إلى أول جيل يدخل سوق العمل في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة: جائحة عالمية، تضخم مرتفع، أزمة إسكان تاريخية، وتراجع القدرة على الادخار. فعلى عكس الأجيال السابقة، لم يواجه هذا الجيل دورة نمو تقليدية تسمح بالانتقال التدريجي من التعليم إلى الاستقرار المعيشي، بل وجد نفسه أمام واقع اقتصادي يقوم على أجور لا تواكب التضخم، قروض طلابية مرتفعة، أسعار مساكن خارجة عن المتناول، وتآكل مفهوم الوظيفة الدائمة. هذا الواقع أعاد تشكيل مفهوم العلاقة العاطفية لدى الجيل، من مساحة رومانسية منفصلة عن الاقتصاد، إلى شراكة حياتية ترتبط مباشرة بالأمان المعيشي وتقاسم الأعباء. وبينما كانت الأجيال السابقة ترى الحب نقطة الانطلاق نحو الاستقرار، بات ينظر إلى الاستقرار المالي بوصفه الشرط المسبق لأي علاقة طويلة الأمد. ففي عالم ترتفع فيه كلفة الحياة أسرع من الأحلام، لم تعد المواعدة مجرد بحث عن الانسجام العاطفي، بل محاولة لبناء حياة قابلة للاستمرار. لماذا تبدو الظاهرة أوضح في العالم العربي؟ على الرغم من أن التصريحات صدرت من الولايات المتحدة، فإن ما يمر به الجيل عالمياً ينسحب بصورة أكثر حدّة على الشباب في العالم العربي، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع أزمات بنيوية أعمق في سوق العمل والمعيشة. ففي معظم الدول العربية، يواجه الشباب مزيجاً معقداً من التحديات، يتمثل في معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب تُعد من الأعلى عالمياً، وفق بيانات منظمة العمل الدولية، وفجوة متزايدة بين الأجور وتكاليف السكن، ولا سيما في المدن الكبرى مثل بيروت، القاهرة، عمّان، الدار البيضاء وغيرها، وارتفاع أسعار الإيجارات والتمويل العقاري مقارنة بمستويات الدخل، وتأخر سن الزواج نتيجة عدم القدرة على تحمّل كلفة السكن، والأثاث، والمصاريف الأساسية. وفي هذا السياق، لم تعد العلاقة العاطفية في المخيال الشبابي العربي شأناً شخصياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بمفهوم القدرة على العيش المشترك. فالجيل الجديد لا يبحث فقط عن شريك حياة، بل عن شريك بقاء اقتصادي، قادر على تقاسم أعباء الإيجار، والفواتير، والتنقل، في ظل تقلص دور الدولة الاجتماعية وتراجع شبكات الأمان التقليدية. وبينما كانت الأجيال السابقة في العالم العربي ترى الزواج خطوة أولى لبناء الاستقرار، بات جيل زد يعتبر الاستقرار شرطاً مسبقاً لأي التزام طويل الأمد. هكذا، لم تعد الرومانسية غائبة، لكنها أصبحت مؤجلة.. إلى أن يصبح الدخل كافياً، والسكن ممكناً، والمستقبل أقل هشاشة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows