استعادة مأساة "الجيل المسروق" في أستراليا
Arab
4 days ago
share
أعاد اكتشاف لوحة الطفل كلود كيلي، أخيراً، إحياءَ مأساة ما يُعرف بـ"الجيل المسروق" في أستراليا، لتقديمه مزيداً من المعلومات عن معاناة شعب أصلي كافح ولا يزال من أجل استرداد ملامحه الضائعة، وترميم حضوره الذي عانى طويلاً من التهميش، بل والإبادة. تلك اللوحة التي أنجزتها يدا الطفل الصغير عام 1947 بين مستوطنة كارولوب في غرب أستراليا، حيث كان أطفال السكان الأصليين يُفصَلون قسراً عن عائلاتهم ويُخضعون لسياسات تهدف إلى اقتلاعهم من لغتهم وثقافتهم. بقيت اللوحة متوارية عن الأنظار لعقود طويلة داخل صندوق مُهمَل في أحد المتاحف الأسترالية، لكنها عادت اليوم لتُجسِّد نموذجاً بارزاً على فنّ السكان الأصليين الذي حاول الاستعمار البريطاني محوه. يكتسب الرسم المكتشَف اليوم أهميته من كونه تعبيراً عن ذات مهدّدة تواجه قمعاً ممنهجاً. اختفاء اللوحة داخل صندوق في متحف جمعية كوريغين التاريخية لعقود يقول الكثير عن محاولات طمس هذه الأصوات، لكن عودتها تُعيد الاعتبار، إلى حدّ ما، لتلك الملامح المسلوبة، وتحوّل الفن "البدائي" الذي لا نراه في المتاحف والمعارض الكبرى عادةً، إلى رافد للذاكرة التي تحاول الحضارات الأصلية استحضارها وتأكيدها. وبما أن الحدث وقع في أستراليا، يمكن التذكير بأبعاد هذه "المقاومة الفنية"، إن صحّ التعبير، والعودة إلى تجلّياتها الأولى. ففي سبعينيات القرن الماضي شهدت أستراليا ظهور حركة "بابونيا تولا"، حيث استثمر الفنانون الأصليون تقنيات النقطة ليخفُوا في عمقها أسرار "زمن الأحلام"، مجسدين بذلك ملاحم أسلافهم بأسلوب لا يُكشف بوضوح لكل من يراقبه. لغةٌ مشفّرة تحمل مضامين روحية عميقة. تراجيديا الصدام بين المؤسسة الاستعمارية وفنّ الشعوب الأصلية كذلك تستوقفنا تنظيرات عالم الأنثروبولوجيا هوارد مورفي في كتابه المرجعي "الفن الأسترالي الأصلي" (1998)، ليؤكد أن هذا الفن لم يكن يوماً مجرد محاكاة بدائية للواقع، بقدر ما أنتج نظاماً معرفياً يدمج بين الجمالي والسياسي والروحي. يجادل مورفي بأن الفن بالنسبة إلى السكان الأصليين "سند ملكية" للأرض، ووسيلة لترسيخ الهوية في وجه محاولات المحو. بهذا يكون خروج لوحة كلود كيلي من عتمة الصناديق إلى النور، استحضاراً لما يسميه مورفي "الفعل الفني كأداة بقاء"، حيث تستردّ الضحية ملامحها المسروقة، وتجبر التاريخ الرسمي على إعادة قراءة الحكاية من وجهة نظر أصحاب الأرض الأصليين. تتكثف في حكاية الطفل الرسام كلود كيلي تراجيديا الصدام بين المؤسسة الاستعمارية وفنّ الشعوب الأصلية، فمن جدران المدارس القسرية التي صُمّمت كأدوات للمحو الثقافي والإبادة الرمزية، انبثق عملٌ فني ليفضح محاولات الطمس. إنها الخلاصة القاسية لتحالف المدرسة والاستعمار، وهو نموذج اعتُمد في كلّ المستعمرات، لا في أستراليا وحدها، وبالتالي لا نبالغ لو قلنا إن هذه الاستعادة الفنية، على بساطتها، تُثبت أن يدي الطفل كانتا أقوى من المؤسسة بأسرها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows