مليون منزل مدمر: نحو سياسة وطنية للاقتصاد الدائري في سورية
Arab
5 days ago
share
في السياق السوري، لم يعد الاقتصاد الدائري مجرد خيار ثانوي، بل بات في صميم الرؤية الرسمية لإعادة الإعمار والتنمية. فقد أدرجته الحكومة صراحة ضمن خطتها الوطنية، بوصفه أحد المحاور الأساسية التي تقوم عليها أولوياتها التنموية. كما أكد وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار، أن هذا النموذج بات جزءاً من "التصورات العامة للنمو" في المرحلة المقبلة. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في غياب الإرادة السياسية المعلنة، بل في تحويل هذه الأولوية إلى آليات عمل قابلة للتنفيذ والقياس.  فهل ستُترجم هذه التصريحات والخطط العامة، إلى سياسة وطنية واضحة، مقوننة بأطر تشريعية وتمويلية مُلزمة، تضع "التدوير" و"الاستدامة البيئية" في قلب المسار الاقتصادي اليومي- أم ستبقى حبيسة الأوراق والخطابات الرسمية؟ مؤسسة إيلين مارك آرثر "Ellen MacArthur" التي تقود جهوداً دولية لتسريع التحول إلى الاقتصاد الدائري تؤكد على ثلاثة مبادئ أساسية ينهض عليها هذا النموذج وهي مُصممة بعناية: (1) القضاء على النفايات والتلوث. (2) تدوير المنتجات والمواد (بأعلى قيمة ممكنة). (3) إعادة إحياء الطبيعة. واعتماداً على المبدأ الثاني، سيكون الحديث محدداً حول الركام الذي خلفته الحرب في سورية، لإعادة تدويره واستخدامه في سُلّم القيمة من الدرجتين الدنيا مثل تحويل الركام إلى "بحص"، والمتوسطة: كالخرسانة المعاد تدويرها للإنشاءات. والمشاريع المنفّذة في حلب ومعرة النعمان وداريا ودوما، تصنّف تحت هاتين الدرجتين من هذا السلم. على المستوى العملي، تبرز جهود الدفاع المدني السوري، بوصفها أبرز ما تحقق في مجال إدارة الأنقاض وإعادة تدويرها. ففي مدينة حلب الشرقية، استهدف برنامج إزالة الأنقاض ستة عشر حيًا مدمّرًا، حيث أُزيل حتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي نحو 128 ألف متر مكعب من الركام، جرى تدوير الجزء القابل منه في معمل الراموسة لإعادة تدوير الأنقاض. وقد نُفّذ هذا المشروع، بتمويل من صندوق مساعدات سورية (AFS)شمل تأمين الوقود، وصيانة المعدات، وتوفير أدوات السلامة المهنية للعاملين. خطوات مماثلة، وإن كانت أكثر تواضعاً، سُجّلت في مناطق أخرى. ففي مدينتي داريا ودوما بريف دمشق، بدأ العمل على ترحيل نحو 85 ألف طن من الركام خلال عام واحد، مع إعادة تدوير قرابة 30 ألف متر مكعب منه. وفي مدينة معرة النعمان، قدّرت إدارة المنطقة حجم الركام بنحو 75 ألف متر مكعب، جرى ترحيل نحو 40 ألفا منها، مع خطط للاستفادة من نحو 10 آلاف متر مكعب من الأنقاض القابلة للتدوير، في تأهيل بعض الطرق الزراعية المحيط بالمدينة. ورغم أهمية هذه الجهود، فإن الخيط الناظم بينها جميعاً، هو طابعها غير المتسق.  إنها أشبه بمحاولة إزالة حَفْنَة تراب من جبل ركام شاهق، بينما يتطلب التحدي تدوير الجبل نفسه. فعندما يُقدر وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، عدد المنازل المدمرة بنحو مليون منزل، فإن هذا الرقم المهول، لا يضعنا فقط أمام كارثة لوجستية، بل يطرح سؤالاً وجودياً حول روح إعادة الإعمار القادمة: أي مستقبل نشكّل من هذه الأنقاض؟ إعادة تنظيم ثلاثي الأقطاب حسب مختبر الابتكار الدائر (Circular Innovation Lab)، وهو مركز أبحاث يعمل مع الحكومات ووكالات الأمم المتحدة، لتسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري، فإن نجاح هذا النموذج، يرتبط بقدرته على الانتقال من المبادئ النظرية، إلى أدوات تنفيذية قابلة للقياس والتوسّع. ويخلص إلى أن الاقتصاد الدائري، في سياقات ما بعد النزاع، لا ينجح بوصفه شعاراً بيئياً، بل بكونه أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع. وهي خلاصة ذات دلالة مباشرة لسورية، حيث لا يكمن التحدي في توفر الركام أو الحاجة إليه؛ بل في بناء الشروط المؤسسية، التي تجعل من عمليات التدوير مساراً اقتصادياً قابلاً للحياة. من هنا ينقسم الطريق إلى مسارين لا ثالث لهما: مسار المؤقت والإغاثي، ومسار التحول الاستراتيجي. فما الذي يحدد الخيار السوري؟ المسار الإغاثي: التعامل مع الركام عبئاً يجب التخلص منه. يعني مسألة إغاثية مؤقتة، هدفها الوحيد "تنظيف" الأرض لاستقبال اللاجئين وإعادة فتح الطرق وهو ما يحدث كثيراً، في مجمل المناطق التي يعود إليها أصحابها. في هذه الحالة، تُدفن جبال من الخرسانة، والكثير من الحديد في المكبات، بينما تستورد الحكومة مواد بناء جديدة. النتيجة: دفن ثروة وطنية تحت الأرض وإعادة إعمار باهظة الثمن. المسار الاستراتيجي: التعامل مع الركام بما هو أكبر مخزون استراتيجي من المواد الخام في البلاد. وتحويل عملية الإزالة من نفقة إلى استثمار، ومن عمل إغاثي إلى نواة لصناعة وطنية. هنا يتم تحويل "اقتصاد الحرب" إلى اقتصاد إنتاجي. السؤال المركزي هنا: ما الذي تحتاجه سورية لتوطين مسار النموذج الثاني وتحويل العبء إلى أصل؟ لا يحتاج الأمر إلى اختراع العجلة، بل إلى تكييف النماذج الناجحة مع واقعنا. وتقدم التجربة الكولومبية، التي خرجت من نزاع طويل ودمار واسع، خريطة طريق عملية. منها يمكن استخلاص/ اقتراح أربعة أركان مترابطة، لا تقف جنباً إلى جنب، بل تُشكّل حلقة متصلة الحلقات: تبدأ بإرادة سياسية تُترجم إلى تشريع، وتتحول إلى حوافز اقتصادية، وتُنقَل عبر التمويل الذكي، لتنتهي بإعادة صياغة عقد "اقتصادي مجتمعي" جديد. كل حلقة تتصل بما قبلها، وترتبط بالتي بعدها: مظلة تشريعية: لا يكفي أن تبقى التصريحات الرسمية مجرد نيات حسنة، بل يجب أن تتحول إلى استراتيجية وطنية مُلزمة للاقتصاد الدائري، على غرار النموذج الكولومبي الناجح. ففي عام 2019، وبحسب دراسة أجراها بنك التنمية للبلدان الأميركية (IDB)، استطاعت كولومبيا عبر استراتيجيتها الوطنية للاقتصاد الدائري (ENEC) أن تحدد مساراً واضحاً، يتمتع بإمكانية تحقيق وفورات سنوية تُقدر بـ 11.7 مليار دولار أميركي من كفاءة وفعالية استخدام المواد. عقلية اقتصادية: ذلك يعني منح إعفاءات ضريبية وجمركية للمشاريع الخاصة بالتدوير، وتقديم حوافز استثمارية استثنائية لجعل "التصنيع من الركام" خياراً اقتصادياً مغرياً، وأولوية في برنامج إعادة الإعمار. هذا النهج ليس غريباً على الإدارة الحالية، فقد سبق للحكومة، أن منحت إعفاءً ضريبياً دائماً بنسبة 100% لمشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني. المطلوب هو توسيع هذه العقلية المحفّزة لتشمل صناعة التدوير و"التجديد". مزيج تمويلي مبتكر: يجمع بين التمويل العام التأسيسي، وشراكات تجمع المستثمرين السوريين بنظرائهم العرب والأجانب، ومِنَح وقروض ميسّرة من بنوك التنمية، وطرح مناطق كثيفة الركام في مشاريع استثمارية جاهزة. الوعي رافعةَ تحويل: النجاح يبدأ بتهيئة المجتمع لسردية جديدة، ترتكز على تغيير المنظور من "إزالة الدمار" إلى "استخراج الثروة من الأنقاض". توطين التدوير قيمةً وسلوكاً يومياً، يلمس الناس نتائجه المباشرة في بيئتهم المحلية، وفرص عمل أبنائهم. والهدف صياغة فهم جديد: الركام ليس فقط شيئاً يجب رميه، بل هو مورد حيوي لمستقبل منطقتهم. الاختيار بين المسارين ليس تقنياً أو مالياً فحسب، بل هو اختبار لرؤية الإدارة الحاكمة، ومدى قدرتها على التعامل مع تحدّي تحويل كارثة الدمار، إلى فرصة تاريخية لإعادة تشكيل العقد الاجتماعي والاقتصادي. الركام السوري يراقب وينتظر: إما أن يكون قبراً لدفن ثروة وطنية، أو أن يكون أساساً لاقتصاد جديد، يولد من رحم الأنقاض.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows