Arab
لا تزال عشرات المهن الجوّالة تقاوم للبقاء وتوسع مساحات للرزق دون الحاجة إلى رأس مال كبير في مختلف المدن العراقية، منها مهن شحذ السكاكين وإصلاح الأدوات المنزلية والمطابخ ولحام الأبواب وإصلاحها، بالإضافة إلى بيع المواد المستعملة وشرائها، وتنظيف المجاري، وعمّال البناء، وغيرها.
وتجمع هذه المهن الشباب المتعلمين وغير المتعلمين، وعادة ما يتنقل صاحب المهنة عبر الدراجات الهوائية والنارية بين الأحياء السكنية، مستخدماً مكبرات الصوت البسيطة لإعلان خدماته.
ورغم إعلان الحكومة العراقية خلال الأشهر الماضية، وفي أكثر من مناسبة، انخفاض البطالة في البلاد بواقع 13%، بعد توسع عمل القطاع الخاص وإقرار قانون التقاعد والضمان الذي ساوى امتيازات العاملين في القطاعين، الخاص والحكومي، إلا أن البطالة لا تزال موجودة بأشكال متعددة.
لا تحتاج إلى رأس مال
وسعت حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لخفض معدلات البطالة عبر سلسلة من الإجراءات، من ضمنها دعم القطاع الخاص وتوفير قروض لفتح المشاريع الخاصة، إلا أنها في الحقيقة لم تسهم إسهاماً كبيراً في إنهاء الظاهرة، فيما لجأ الشباب، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع العراقي، إلى العودة نحو أعمال ومهن لا تحتاج إلى رأس مال كبير للتقدم فيها، بل تحتاج إلى التجوال في الأحياء السكنية وتقديم الخدمات التي عادة ما يكون مردودها المالي بسيطاً جداً، وبأفضل الأحوال لا يتجاوز 10 دولارات.
وقال أبو علي من بغداد (44 عاماً)، الذي يعمل في فتح المجاري والبالوعات وتنظيفها، إنه "يشتغل في هذه المهنة منذ 20 عاماً تقريباً، ولم يكمل تعليمه بسبب ظروف الحياة الصعبة، ولا يقبل على نفسه أن يبقى في البيت وينتظر المعونات والمساعدات"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "العمل الحر والجوّال يمنحه الحرية في التنقل والوصول إلى مناطق بعيدة، عادة ما يكون سكانها بعيدين عن الوصول إلى خدمات قريبة من مراكز المدن".
أيام دون عمل
وأضاف أبو علي، الذي فضل عدم ذكر اسمه كاملاً، أن "خروجه اليومي للعمل لا يعني أنه يعمل يومياً، وأنه عادة ما يبقى لأيام من دون أي طلب على خدماته، كذلك فإنه يعتمد على توزيع رقمه بين الناس لأجل التواصل معه عند الحاجة"، مشيراً إلى أن "مبلغ فتح البالوعة الواحدة 15 ألف دينار عراقي (10 دولارات) وتستغرق أحياناً ساعات من التنظيف وإنهاء الانسدادات فيها، وأنه كان قد تقدم لأكثر من مرة للحصول على وظيفة حارس مدرسة أو مؤسسة حكومية، إلا أنه لم يوفق في قبوله للوظيفة، ما دفعه إلى ترك فكرة الوظيفة الحكومية والبقاء في عمله الحر".
من جهته، بيَّن عزيز أحمد من بغداد (39 عاماً)، وهو يعمل في بيع المواد المنزلية المستعملة وشرائها، أنه "يشتري كل شيء مستعمل في البيت مثل الغسالات والثلاجات من منازل الأحياء الراقية في بغداد، ويتوجه لبيعها في المناطق الفقيرة، وبذلك يحقق دخلاً جيداً، إلا أنه يعتمد أيضاً على القدر"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن مهنته شاقة لأن بعض الحاجات التي يبيعها ويشتريها ذات أوزان ثقيلة، لذلك فقد تعرض لحالات مرضية عديدة بسبب هذه المهنة التي يعمل مع ولده فيها.
شريحة الفقراء
لفت الباحث الاجتماعي صدام الموزاني، إلى أن "العاملين في المهن الجوّالة يندرجون ضمن شريحة الفقراء في العراق، لأن أعمالهم ليست مستقرة، بل إن كثيراً منهم لا يختلفون عن العاطلين من العمل بسبب قلة فرص الرزق، لذلك أغلبهم يسكنون في العشوائيات ومناطق التجاوزات، وهم في أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة".
واعتبر الموزاني في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "مسؤولية السلطات رعاية المواطنين، وتوفير الحياة الكريمة لهم، خصوصاً أن العراق ليس بلداً فقيراً، ومن المعيب أن نشهد الفقر بهذه الطريقة في بلد غني وغزير بالفرص الاقتصادية".
وتعد مشكلة البطالة في العراق من أبرز التحديات التي واجهت الحكومات المتعاقبة، وتؤكد جميع الأرقام أنها آخذة بالاتساع، ومعها يرتفع مؤشر الفقر في الدولة الغنية بالنفط. كذلك تتزايد أعداد خريجي الجامعات الذين لم يتمكّنوا من الحصول على وظائف، بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى الدولة، فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، حسب مراقبين.
وشهدت البلاد موجات احتجاجات كبيرة من الشباب العاطلين من العمل في محافظات عراقية عديدة، وصلت إلى إغلاق مؤسسات الدولة ومقار الشركات النفطية في جنوب العراق، ولا تتراجع هذه الاحتجاجات بالرغم من الوعود التي تطلقها الحكومات بالعمل على الحد من البطالة والفقر في البلاد.
وكانت نسبة البطالة في العراق قد بلغت 16.5% من مجموع السكان النشطين اقتصادياً، بموجب المسح الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية. وذكر بيان رسمي أن "هذه النسبة ترتفع لدى النساء بأكثر من 25% مقارنة بالذكور، إذ إنها تراوح بين 11% و12%".
