Arab
يواجه الدولار ضغوطاً متزايدة مع تصاعد الاضطرابات والانقسامات داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، خاصة بعد فتح تحقيق جنائي بحق رئيس المجلس جيروم باول، إلى جانب الجدل الدائر بشأن مستقبل قيادة الاحتياطي الفيدرالي بعد انتهاء مدة باول، وسط مخاوف واسعة في الأوساط المالية من تآكل استقلالية السياسة النقدية الأميركية، وهي إحدى الركائز التاريخية لقوة الدولار. وتتنامى مخاوف المستثمرين من تراجع هيمنة الدولار، خاصة مع استمرار ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة، وتصعيد سياسي - تجاري يقوده ترامب تجاه أوروبا في ملف الصراع على "غرينلاند"، بالتوازي مع تحرك صيني منظم لتوسيع دور اليوان في المدفوعات وتمويل التجارة عبر قنوات بديلة عن البنية المالية المرتكزة على العملة الأميركية.
وتعكس البيانات الحديثة تحولاً هيكلياً متسارعاً في استخدام العملة الصينية داخل وخارج الاقتصاد الصيني، في مسار يقلص تدريجياً هيمنة الدولار دون أن يطيحها حتى الآن. فبحسب بيانات الهيئة الصينية لإدارة النقد الأجنبي، ارتفعت حصة اليوان في معاملات الصين العابرة للحدود من مستويات شبه معدومة في عام 2010 إلى ما يقارب 50% بنهاية 2025، مقابل تراجع حاد في حصة الدولار من أكثر من 80% إلى نحو 40 -45% خلال الفترة نفسها، في مؤشر واضح على نجاح بكين بتقليص اعتماد تجارتها الخارجية على العملة الأميركية. وعلى الصعيد العالمي، تظهر بيانات سويفت (Swift) عبر منصة ويند Wind أن حصة اليوان من تمويل التجارة الدولية ارتفعت من أقل من 2% في عام 2020 إلى 8.36% بحلول 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو توسع لافت يعكس تزايد قبول العملة الصينية في تسويات التجارة الدولية، رغم بقائها بعيدة عن هيمنة الدولار الذي لا يزال يستحوذ على نحو 80% من تمويل التجارة العالمية.
كسر الهيمنة الأميركية
وتظهر هذه المؤشرات أن استراتيجية الصين لا تقوم على استبدال الدولار دفعة واحدة، بل على إضعاف انتشاره تدريجياً عبر بناء بنية مالية بديلة، ومنها، زيادة الإقراض للدول النامية، وتشجع الشركات الدولية على إصدار سندات مقومة بالعملة الصينية، بما يخلق سوقاً من الأوراق المالية القابلة للاستثمار باليوان. كما تروج بكين لمدينة شنغهاي مركزاً عالمياً لتخزين الذهب المادي المقوم باليوان. هذا إلى جانب الاستفادة من تراجع مكانة الدولار التاريخية تدريجياً مع تصاعد التوترات السياسية حول استقلالية المؤسسات النقدية الأميركية. ووفقاً للبنك المركزي الصيني، ارتفعت حصة الإقراض الخارجي للمؤسسات المالية الصينية المقوم باليوان إلى 45% من إجمالي قائم قدره تريليونا يوان (نحو 290 مليار دولار) بنهاية 2024، مقارنة بأقل من 10% قبل عقد من الزمن، بحسب صندوق النقد الدولي. وتروج بكين الآن لإصدار سندات مقومة باليوان في المراكز الخارجية المعروفة باسم "سندات ديم سام".
وقد جمعت شركات دولية ديوناً مؤخراً مستفيدة من انخفاض أسعار الفائدة في الصين مقارنة بالولايات المتحدة. ويتيح انتشار الأصول المقومة باليوان لشركاء الصين التجاريين - مثل منتجي النفط - تحقيق عائد على اليوان الذي يتلقونه، مع الثقة بإمكانية الخروج عند الحاجة. وقال الخبير الاقتصادي لدى بنك "ستاندرد تشارترد" والمسؤول السابق في البنك المركزي الصيني، شوانغ دينغ: "يريد المسؤولون الصينيون أن ينظر إلى اليوان بوصفه عملة قوية تستخدم على نطاق عالمي أوسع"، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال". كما نقلت الصحيفة الأميركية عن المدير السابق للبنك الدولي لشؤون الصين والمحاضر حالياً في الجامعة الوطنية بسنغافورة، بيرت هوفمان، قوله، إن الإطار المؤسسي للولايات المتحدة يتعرض للتقويض نتيجة الإجراءات المتخذة بحق مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يجعل الاحتفاظ بالدولار خياراً أقل جاذبية نسبياً بوصفه ملاذاً آمناً.
وقال خبير استراتيجيات الأسواق في «بي إن بي باريبا لإدارة الأصول» في هونغ كونغ، تشي لو: "الأميركيون بدأوا يستيقظون على الواقع". وأضاف أن اليوان بات الآن قوة لا يمكن تجاهلها. اللافت أن، ترامب قبل توليه المنصب، حذر من اندفاع الصين نحو تدويل اليوان، وهدد بعد توليه المنصب بفرض رسوم جمركية على تكتل "بريكس"، الذي تقوده الصين، إذا ما أنشأ بديلاً للدولار. وقال الرئيس الأميركي في اجتماع لمجلس الوزراء في يوليو/تموز الماضي: "إذا خسرنا الدولار بوصفه معياراً عالمياً، فسيكون ذلك أشبه بخسارة حرب".
سياسات ترامب تضر بالدولار
وقال محللو بنك أوف أميركا في مذكرة بحثية: "يبدو أن الدولار متجه للتراجع أمام معظم العملات خلال العام 2026، في ظل انخفاض أسعار الفائدة الأميركية، ما يجعل التحوط ضد مخاطر ضعف العملة أقل كلفة"، وأضافوا: "نرى أن كلفة التحوط التي لا تزال مرتفعة نسبياً كانت من أبرز العوائق التي منعت توسع أنشطة التحوط من انكشافات الدولار خلال عام 2025". وأشاروا إلى أن سعي إدارة الرئيس ترامب لخفض التكاليف المرتبطة بالإسكان قد يشجع على مزيد من خفض أسعار الفائدة. كما تشكل المخاطر المرتبطة باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي عامل ضغط محتملاً على الدولار.
وقالت ثو لان نغوين، من "كومرتس بنك"، في مذكرة بحثية إن تهديدات الرئيس ترامب بالسيطرة على غرينلاند التابعة للدنمارك تمثل عامل ضغط كبيراً على الدولار. وأوضحت أن هذه الخطوة قد تفضي إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وهو ما سيكون إشارة كارثية للدولار. وأضافت: "في حال نشوب صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وأوروبا، فمن المرجح فرض عقوبات متبادلة، ما سيعرض بشدة مكانة الدولار بوصفه عملة احتياط عالمية". وأشارت إلى أن السبيل الوحيد أمام الشركات المتعاملة في أوروبا لتفادي العقوبات الأميركية سيكون الامتناع كلياً عن إجراء معاملات بالدولار. كما أن التجارة المباشرة بين الولايات المتحدة وأوروبا قد تتراجع بشكل كبير، ما يقلل طلب الشركات الأوروبية على الدولار.
وفي المقابل، قال الخبير الاقتصادي في بايدن آند ريغل، جيفري كليفلاند، إن المخاوف من فقدان الدولار لهيمنته يبدو مبالغاً فيها، لغياب أدلة واضحة على "إزالة الدولرة". وأضاف، بحسب "وول ستريت جورنال" أن الطلب الخارجي على الأصول الأميركية - بما في ذلك سندات الخزانة، وسندات الشركات، والأسهم - لا يزال قوياً. وأوضح أن تحركات الدولار كانت مدفوعة في الأساس بتغير توقعات أسعار الفائدة والنمو، وليس بعمليات بيع أجنبية أو انهيار في الثقة. وطالما ظل نمو الإنتاجية الأميركية قوياً، فإن مبررات الاستثنائية الأميركية ستبقى قائمة.

Related News
مقبرة يهودية تتعرض للتخريب في برشلونة
al-ain
10 minutes ago