Arab
من الصعوبة التنبؤ بسقوط هذا النظام، كما أن من الأصعب التوصل إلى الأسباب التي أوصلت أورطة (الوحدة العسكرية الصغرى في هرمية الجيش الانكشاري) انكشارية إلى الاستيلاء على السلطة وتداولها فيما بينهم، والبقاء فيها لأكثر من نصف قرن.
متى سيسقط هذا النظام؟ هو ليس سؤالاً وإنما أمنية ورغبة وضرورة لملايين السوريين. قلّبوا أوراق الروزنامة، وضعوا أياديهم على كل يوم مأمول، وحمّلوه الكثير من الأماني.
قبل العيد الصغير أم بعد العيد الكبير، يوم تعديل الدستور ليناسب السن القانوني للانكشاري الصغير، يوم الأكاذيب الكبرى بالحريات وإيقاف العمل بقانون الطوارئ أم بعد طي ملف قصف الشعب بالكيماوي.. ما لم يتنبهوا إليه أن يوم سقوطه، سيكون هو يوم العيد.
العيد الجديد الذي دخل إلى ثبت أعيادهم، وأخذ مكانه الشاغر منذ أكثر من نصف قرن.
تكاد تقنعنا الوقائع اليومية، أن المدينة فقدت أغلب سكانها، أو أن أهلها عازفون عن التفاعل مع أي فعل جماعي، هزمهم الخوف، وأعادهم إلى كينوناتهم، التي تقوقعت وتكلست مع تراكم المصائب ومرور زمن الإرهاب الثقيل.
أوشكنا على القناعة أنه بات ممكناً العيش من دون فرح، والاعتياد على وجوه شاردة، مكفهرة، هجرتها الابتسامات والضحكات.
توطن الصمت في أفواههم، وحين يتحدثون بكلمات لا يقولون شيئاً، وتبقى كلماتهم تدور حول نفسها لتخفي معانيها. يستردون الآن أصواتهم، تتعثر كلماتهم بكلماتهم ذاتها، بعدما تسربت إليها العبارات السلطوية المحفوظة، لشدة تكرارها وثباتها وحراستها، نراهن أن العبارات الجديدة، ستأخذ موقعها في الكلام والتعبير، وستكسبها الحرية المعنى، لتتوضح مصقولة بالتجارب وتراكم الخبرات.
وأخيراً، انبجست ابتسامات الملايين وأضاءت وجوههم.
حان الموعد وعلى الأصدقاء الاجتماع في الساحة، علمي في يميني واللفاحة تطوق رقبتي وينسدل طرفيها على صدري. ما إن وصلت الى الشارع الرئيسي.
أقنعني السيل المتواصل من السيارات والشاحنات والدراجات النارية، أنه لا إمكانية لاستقلال سيارة أجرة، وإضاعة للوقت، الذي لا يجوز ضياعه.
حسمت الحشود قرارها، بالذهاب سيراً إلى ساحة سعد الله الجابري، أو ساحة الحرية نسبة التي التمثال الذي كان رابضاً على طرفها الشمالي، قبل تحطيمه وسحله وترحيل حطامه.
سيارات زينها أصحابها بجديلة من البالونات على هيئة العلم الجديد للجمهورية، سيارات تسترجع عبر مضخمات الصوت المعلقة على سطحها أهازيج الأشهر الأولى للانتفاضة الشعبية، رايات في كل مكان ومن كل مكان، على أذرع السائرين المرفوعة، من نوافذ السيارات التي تسير ببطء، من أعالي الشاحنات الصغيرة، على مقاود الدراجات النارية، منسدلة كثوب على ظهور المتجهين والمتجهات نحو وسط المدينة، رايات ترفرف من الشرفات، على أعمدة الكهرباء. شبان وشابات رسموا ألوان العلم على خدودهم وجباههم.
المؤذنون يصدحون بتكبيرات العيد، تلبية لقرار وزارة الأوقاف، الكنائس تقرع أجراسها استجابة لرؤسائها.
ينظم هذا الطوفان البشري، جنود حواجز الجيش والأمن العام، بإشارات مقتضبة وهدوء، وقليل من الكلام. أين كانت محتجزة هذه الحشود، التي باتت تشغل دائرة قطرها أكثر من كيلومتر، أظهر مشاركة كبيرة لأهالي المدينة، على عكس الأشهر السابقة، التي أظهرت الحضور الأكبر لأهالي الأرياف القريبة وأرياف ادلب.
كأنه إيذان بانتقال أهالي المدينة من طور المراقبة والتفاعل القلبي إلى المشاركة والتفاعل الجهري، لتأكيد عداء الأغلبية الشعبية، لسلطة المذابح والسجون الإبادية، وتدمير المدن والبلدات، والتهجير والتمييز الطائفي، والرغبة بتعزيز هذا الإنجاز الكبير والانتماء اليه، ورفض حاسم للعودة إلى ما قبل 8 كانون الأول 2024.
شاحنة صغيرة مدد على ظهرها شاب على سرير، غطي ببطانيات صوفية لا تظهر منه إلا وجهه النحيل المنهك، انتصب حوله شبان يهتفون ويلوحون بالرايات. أراد أن يكون هذا المريض في قلب الأفراح، وينتزع حصته منها. رجال مدججون بأحمال من الألبسة الثقيلة تحسباً لبرد مفاجئ، وشبان يتراكضون ويهزجون بألبستهم الخفيفة وأحذيتهم الرياضية لا يبالون بالبرد والمطر والعواصف.
يتقدم الحشد نحو مركز الاحتفال، لم يحل ذلك دون انسحاب بعض المجموعات الى احتفالاتهم الخاصة، دوائر ودوائر حول الساحة العامة، يستحضر شبانها أهازيج الشهيد عبد الباسط الساروت، ومتواليات القاشوش، ولم ينسوا أسماء الشهداء وذكرى الذين غابوا، للتأكيد أنها لن تغيب، وصور الأصدقاء الذين هربوا من القتل وتناثروا في أطراف الأرض.
بأصوات غير مسموعة يحاول شبان من الأمن العام إقناع بعض من رفعوا علم جبهة النصرة، بأن العلم الوحيد المسموح برفعه هو العلم الوطني.
يعترض هؤلاء بعبارات منفعلة، لكنهم ينصاعون لتعليمات الأمن، بتمتمات اعتراضية متفهمة منهم وغير مفهومة للمحتشدين، قبل أن يعودوا ويرفعوها مع حلول الظلام في الشوارع البعيدة المعتمة، وقد حال الازدحام دون وصولهم ووصول غيرهم إلى الساحة. وكسلطة هي تعبير عن تحالف سياسي-عسكري، يأتيها النقد من طرف يذكّرها بماضيها لا لتجاوزه نحو أفق وطني شعبي ديمقراطي، بل لإعادتها إليه وتثبيتها فيه، ونقد آت من آمال لثوار يذكرونها بالأهداف التي انطلق منها وتأسس عليها الحراك الشعبي في سيرورته انتفاضة شعبية، مؤكداً من دون مجاملة قيم الحرية والعدالة، وتسير السلطة بمسارات تجريبية، تختبر في متنها ذاتها أولاً وطيفاً من القوى الاجتماعية، بقدرتها على التنظيم والفاعلية، وإمكانية التأثير بالكلام والكلمة والاحتجاج، على مسارات الوقائع، وتشدها إلى المصالح الشعبية وتذكّرها بما لا يمكن نسيانه.

Related News
ضغوط أميركية لفتح معبر رفح
aawsat
3 minutes ago
السودان: معارك طاحنة في محور النيل الأزرق
aawsat
9 minutes ago
مصرع ثمانية أشخاص على الأقل في حادث غرق عبارة في الفيليبين
aawsat
10 minutes ago