Arab
من المفارقة أن يُرفع علم فلسطين راية أخلاقية كونية في الشارع الغربي، رفضاً للعنصرية والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين، بينما نرى في المقابل علم إسرائيل يُرفع في تظاهرات مجتمعاتٍ عربية (وغيرها) تعاني الهشاشة والتفكّك. لا يعني ذلك تفاوتاً في الوعي الأخلاقي بين الشعوب، بقدر ما يكشف تحوّلاً جوهرياً في وظيفة الرموز السياسية في عصر "اقتصاد الخوف"، ذلك النظام النفسي - السياسي الذي يحوّل الرموز من ثوابت ذات دلالات تاريخية وأخلاقية، إلى عملاتٍ قابلة للتداول في سوق اليأس، وحين تصبح الرموز، في لحظات الانهيار المؤسّسي وفقدان الثقة بالدولة، أدواتٍ وظيفيّة تُستخدم للحصول على مكاسب آنية، حتى لو كانت وهمية أو على حساب المبادئ.
مع ذلك، تؤكّد بيانات الرأي العام العربي أن ظاهرة رفع العلم الإسرائيلي لا تعكس تحوّلاً قيمياً واسعاً. فوفق "المؤشّر العربي 2025" (ينجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنوياً)، يعتبر نحو 80% من العرب القضية الفلسطينية قضية جميع العرب، وليس قضية الفلسطينيين وحدهم. كما أن 87% يرفضون اعتراف دولهم بإسرائيل. وتكشف النسبتان أن رفع العلم الإسرائيلي، حيثما (وحين) يحدث، تعبير عن حالة يأسٍ وقلق وجودي، وليس مؤشّراً على تغيّر في المواقف الجماعية.
لم يكن ظهور العلم الإسرائيلي في تظاهرات السويداء صيف 2025، تعبيراً عن تبنّي المشروع الصهيوني بداية، بل صرخة يأس موجّهة إلى انتهاكات "الخصم" المحلّي، رسالة تقول "انظروا إلى أي مدى وصل بنا اليأس والخوف"، وإلى العالم الخارجي طلباً للحماية. يكشف هذا السلوك عطباً أعمق: انهيار الثقة بالدولة ضامناً للحماية الأساسية. من هنا، كان بإمكان نُخب أن تدفع الأمور إلى الحدّ الأقصى من الاستغلال السياسي، وتتبنّي مطالب الانفصال وتلتقي بالمصالح الإسرائيلية.
وبالعودة إلى "المؤشّر العربي"، رفض 87% من المستجيبين العرب أن تعترف بلدانهم بإسرائيل، مقابل 6% قالوا إنّهم يقبلون الاعتراف، لكن بيانات "المؤشّر" تظهر أيضاً أن 49% من العرب يعتقدون أن حكوماتهم تفضل فئاتٍ على أخرى، فنتأمل: إلى أي حدّ يخلق ذلك في ذروة الأزمة البيئة المثلى لبحث عن "ضامن بديل" حتى لو كان رمزاً منبوذاً؟
وفي حالة "أرض الصومال"، ذلك المجتمع المستقرّ نسبياً منذ 1991، لكنّه يفتقر للاعتراف الدولي، يصبح أي اعتراف، حتى لو جاء من إسرائيل، "تذكرة دخول" إلى النادي الدولي، ويرفع معه العلم الإسرائيلي في ساحات هرجيسا. وتتجلّى هذه الديناميكية النفسية في سياقاتٍ غير عربية، وإن بملامح مختلفة. ففي تظاهرات لإيرانيين في عواصم غربية داعمة للاحتجاجات المستمرّة في طهران، تحوّل العلم الإسرائيلي "بطاقة اعتماد" سياسية تُقدّم للغرب دليلاً على الاستعداد للتحالف والاندماج في المنظومة الغربية. القاسم المشترك بين هذه الحالات المتباينة هو الانزياح الدلالي للرمز. فالعلم الإسرائيلي يتحوّل من رمز لدولة احتلال إلى بطاقة اعتماد دولية، ويُختزل الصراع التاريخي إلى أداة ضغط مؤقّتة. وليس بالضرورة أن يعكس هذا الانزياح تحوّلاً في القناعات الأصيلة، بل يعكس تحولّاً في الوظيفة النفسية للرموز في لحظات الأزمات الوجودية. يعمل "اقتصاد الخوف" هنا آلة تحويل نشطة، تطحن الرموز التاريخية في دائرة اليأس لتنتج عملاتٍ قابلة للتداول في سوق الخلاصَين الفردي والجماعي.
للمعادلة الموصوفة مخاطرها الوجودية، إذ إن مقايضة العدالة بالاعتراف الدولي، والكرامة بالحماية... تنتج "خلاصاً" واهماً وقابلاً للانكسار عند أول اختبار. ومن يبني أمانه على إقصاء حقوق الآخرين والتغاضي عن مظلمتهم، يشرعِن (ولو ضمنياً) منطقاً قد يُقصى به هو نفسه لاحقاً، حين تتغيّر موازين القوة أو تتقلب حسابات "الضامن" الخارجي.
ليس التحدّي الحقيقي في مواجهة هذه الظاهرة بخطاب الوعظ الأخلاقي النظري، ولا التخوين السهل، بل في معالجة جذور "اقتصاد الخوف" نفسه، عبر إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساسٍ جديد، تكون فيه الدولة مصدراً حقيقياً للأمان والعدالة والكرامة لجميع مواطنيها من دون تمييز. حين تتحقّق المواطنة المتساوية (68% ممَّن استطلعهم "المؤشّر العربي" يؤيّدون الأنظمة الديمقراطية شكلاً للحكم في بلادهم)، وحين تصبح الحقوق مكفولة والحماية مضمونة، يفقد "سوق الخوف" زبائنه، وتفقد "الرموز" قيمتها التداولية، فتعود إلى دلالاتها الأصلية، وتستعيد فلسطين مكانتها قضية تحرّر في الضمير الإنساني، لا سلعة في سوق المضاربات السياسية. عندها لن يكون من معنى لاستدعاء أعلام "الخارج" في مجتمع وجد خلاصه داخل ذاته، وأدرك أن الحرية تُبنى في فضاء المواطنة الحقيقية.

Related News
مقبرة يهودية تتعرض للتخريب في برشلونة
al-ain
9 minutes ago